![]() |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
من فوائد التذكر التذكر يساعدنا لكي لا نخطئ. وهكذا فعل الرب مع آدم وحواء ونسلهما. كان الموت هو أجرة الخطية. وهذا الموت تخلصنا منه بالكفارة والفداء. وعلى الرغم من تمام الفداء وكفايته، وضع الله عقوبة لآدم أنه بعرق جبينه يأكل خبزه وعقوبة لحواء أنها بالوجع تحبل وتلد أولادًا (تك3: 19، 16). استبقى الله هذه العقوبة بعد الفداء، لكي نتذكر، فنتضع ونتوب. ويمكن لمحبة الله إن تغفر كل شيء، ولكن العقوبة لازمة لنا، حتى لا ننسي أن الخطية خاطئة جدًا، وحتى لا ننسي الدينونة أيضًا. لذلك لا يليق بنا أن نتذمر بسبب العقوبة. إنما نستفيد منها روحيًا. كما أن تذكرنا لخطايانا يفيدنا أيضًا.. وهكذا قال داود النبي: "خطيتي أمامي في كل حين" (مز50). نتذكر خطايانا، لكي نندم عليها، ولكي ننسحق بسببها، ولا نرتفع مهما وصلنا إلى مستوي وحي بعد التوبة.. وهكذا فإن القديس بولس الرسول حتى بعد أن صعد إلى السماء الثالثة لم ينس إنه اضطهد الكنيسة فقال: "أنا الذي لست أهلًا لأن أدعي رسولًا لأني اضطهدت كنيسة الله" (1كو15: 9). ولماذا أيضًا لا ننسي خطايانا؟ لا ننساها، لكي نشفق على الساقطين (عب13: 3). وأيضًا لكي نحترس فلا نقع في الخطية مرة أخري... كذلك نذكرها لكي يفغرها لنا الله. وفي ذلك قال القديس أنطونيوس الكبير: [إن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله. وإن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله]. لا تقل إذن: مادام الله قد غفر لي خطاياي، فلأنسها، إنها مُحِيَت!! إنك لست أفضل من داود النبي، ولست أفضل من بولس الرسول. وكل منهما ذكر خطاياه بعد مغفرتها له. وكما لا تنسي خطاياك، لا تنس إحسانات الله إليك. لأن نسيانك إحسانات الله، يفقدك فضيلة الشكر، ويقلل محبتك لله. وهذان الأمران لهما خطورة كبيرة على حياتك الروحية.. أمر الرب الشعب أن يقيموا تذكارًا لكي ينسوا عبور الأردن (يش4: 9) وعبور البحر الأحمر لا ننساه في التسبحة، والمن وضع تذكاره في تابوت العهد وكذلك عصا هارون التي أفرخت. أذكر إحسانات الله، وأذكر معها وعودك لله ونذورك، فهذا نافع لروحياتك. أذكر كل ما وعدت الرب به في ضيقاتك، وفي خطاياك التي سترها.. واذكر ما وعدت الله به في كل اعتراف وتناول، واخجل من موقفك بعد كل ذلك. إن القديسين لم ينسوا مطلقًا كل ما فعله الرب معهم من إحسانات. إذا وضعت محبة ربنا أمامك... تشتعل محبته في قلبك... الكنيسة وضعت لنا صلاة الشكر في مقدمة كل صلاة، لكي لا ننسي إحسانات الله. أضف إليها في ذاكرتك تفاصيل من عندك. وهكذا تحب الله، وتخجل من محبته لك، فلا تخطئ. كذلك لا تنسي وعود الله وعنايته، حتى لا تقع في الخوف أو في القلق. كلما تحيط بك ضيقة. تذكر أبوة الله لك، وحفظه ورعايته، وقوله: "لا أهملك ولا أتركك – لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك" (يش1: 5)" أنا معك لا يقع ب أحد ليؤذيك" (أع18: 9). " يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يتقربون إليك" (مز91: 7). إن الذي يخاف ويقلق. هو بلا شك إنسان ينسي محبة الله ووعوده. وحتى إن نسي، عليه إن يقول للرب كما قال داود النبي: "أذكر لي يا رب كلامك الذي جعلتني عليه أتكل. هذا الذي عزاني في مذلتي" (مز119). هذا كله يحيمك أيضًا من حروب الشك وقت التجربة. لذلك أحفظ الآيات التي تمنحك الرجاء والثقة في عمل الله من أجلك، وتمنحك أيضًا عمقًا في الإيمان. ضعها في ذهنك باستمرار. ورددها كثيرًا لكي لا تنساها، ولكي تطمئن وتفرح بالرب. هناك أمر هام آخر يجب ألا ننساه مطلقًا وهو: أن تذكر غربتك على الأرض. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
اذكر غربتك على الأرض في هذا الأمر كان داود النبي يتأمل باستمرار قائلًا في صلواته: "غريب أنا على الأرض، فلا تخف عني وصاياك" (مز119)،" أنا غريب عنك، نزيل مثل جميع آبائي" (مز39: 12). والشعور بالغربة – كان يذكر داود أيضًا بالموت.. فتنفعه الذكري لذلك هو يقول: "عرفني يا رب نهايتي، ومقدار أيامي كم هي، فأعلم كيف أنا زائل" (مز39: 4). وليس داود النبي فقط، بل جميع الآباء أيضًا، قال عنهم القديس بولس الرسول: "أقروا أنهم غرباء ونزلاء على الأرض" ولذلك كانوا" يبتغون وطنًا أفضل أي سماويًا" (عب11: 13، 16). إن تذكر الإنسان للأبدية، يمنعه عن الخطية. كل الآباء النساك كانوا يذكرون الموت. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
اذكر ضعفك حينما تفتكر ضعفك، ستبتعد عن مجالات الخطية وعن كل العثرات... وأيضًا ستحترس وتدقق في حياتك. وبهذا تنجح في حروبك الروحية. إن الذين اغتروا بأنفسهم سقطوا. وقد قيل عن الخطية إنها "طرحت كثيرين جرحي، وكل قتلاها أقوياء" (أم7: 26). أما الذي يشعر بضعفه، فإنه يتضع والاتضاع يلاح قوي تخافه الشياطين. والذي يتضع يصلي طالبًا معونة الله، والصلاة سلاح يجعله ينتصر. إن عرفت هذا كله، قاوم النسيان الضار. واستغل نسيانك فيما يفيد. كأن تنسي إساءات الناس إليك، وتنسي الأعمال الطيبة التي عملتها، وتنسي أمور العالم الباطل، وتنسي كل المخاوف التي يخوفك بها العدو. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
وضع الخطية أمامك كل حين بدون تفاصيلها سؤال:-ولعل البعض يسأل -من جهة التذكر والنسيان- هل أنا مطالب بأن أضع خطيتي أمامي في كل حين (مز50)، إذا كنت حينما أتذكر خطاياي، أعود فأسقط فيها مرة أخري؟ وطبعًا ليس المقصود بتذكر الخطايا، أن يتذكر الإنسان التفاصيل المعثرة التي تتعبه وتسقطه. على أنني بمشيئة الرب سأجيب على هذا السؤال بالتفصيل في الباب الخاص بحروب الفكر هنا في موقع الأنبا تكلا. فليس المقصود بهذه العبارة أن تتذكر التفاصيل المعثرة التي تتعبك. يكفي في حالتك أن تذكر الخطية جملة وليس تفصيلًا. ونقطة أخري: هي أن الآباء قالوا إن الخطايا الشهوانية أو الانفعالية هي التي تحارب الإنسان بالخطايا مرة أخري. فلنفرض مثلًا أنك اشتهيت مركزًا معينًا، أو اشتهيت أن تقتني شيئًا تحبه، أو أنك وقعت في شهوة جسدية فتذكار تفاصيل هذه الشهوات قد يتعبك. أو أن وقعت في خطية انفعالية مثل الغضب أو الحسد أو الرغبة في الانتقام، فربما تذكار التفاصيل يتعبك. وعن هذه الخطايا وأمثالها، قيل في القداس الإلهي: "تذكار الشر المُلْبِس الموت". لذلك يمكن أن تتذكر خطاياك في انسحاق لتندم عليها وتتضع. أما إن وجدت التذكر سيدنس فكرك، أو يعيد شهوة رديئة إلى قلبك، أو أنه يجعلك تنفعل بالغضب أو الحسد أو الانتقام أو محبة العالم. فحينئذ اهرب من تذكار الخطية. تذكار الخطية هو وسيلة لهدف. وكل ممارسة روحية، اعملها بحكمة ولا تكن حرفيًا في ممارسة الفضائل. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الشك وأضراره الشك هو حالة من عدم الإيمان، ومن عدم الثبات. ولذلك قال الرب لبطرس: "يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟" (مت 14: 31) إنها مرحلة زعزعة، وعدم وضوح للرؤية. والشك أيضًا حالة من عدم التصديق... الشك جحيم للفكر وللقلب معًا... قد يكون دخوله سهلًا. ولكن خروجه صعب جدًا. وقد يترك أثرًا مخيفًا ما يلبث أن يظهر بعد حين. الشك يجعل الإنسان يفقد سلامه، ويفقد طمأنينته. والمعجزات قد لا تحدث بسبب الشك بينما تحدث للبسطاء الذين يصدقون. وإذا استمر الشك يتحول إلى مرض وإلى عقد لها نتائجها... وهذا الشك قد يتلف الأعصاب، وقد يدعو إلى الحيرة وكثرة التفكير، ويمنع النوم... ومن نتائجه أيضًا التردد والخجل، وعدم القدرة على البت في الأمور.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أنواع الشك منها الشك في الدين والله والعقيدة. والشك في الناس، وفي الأصدقاء، بل الشك في النفس أيضًا. والشك في الفضائل، وفي إمكانية التوبة أو في قبولها، والشك في الخدمة وفي طريق الحياة. 1 الشك في الله: كأن يشك الشخص في وجود الله. وهذه حرب فكرية مصدرها الشيطان، تأتي في سن معينة، وهي دخيلة على الإنسان. وقد يكون سببها الكتب وأفكار الملحدين أو معاشرتهم، والناقشة يف أمور أعلي من مستوي الإنسان. وقد تأتي من بحوث منحرفة في الفلسفة أو في العلوم أو تاريخ الكون ونشأته. وقد يثيرها أشخاص على مبدأ [خالف تعرف].. وقد لا يكون الشك في وجود الله، وإنما في معونته وحفظة، وفي محبته وفي صدق مواعيده، وفي جدوى الصلاة.. إن رفقة لما شكت في مواعيد الله من جهة مباركة يعقوب، لجأت إلى طريقة بشرية خاطئة فيها خداع لإسحق. ( تك27). وإبراهيم أبو الآباء في وعود الله من جهة نسل كنجوم السماء ورمل البحر، لجأ هو أيضًا إلى طرق بشرية.. (تك16). 2 الشك في العقيدة: وقد يأتي من تأثير الطوائف الأخرى بحضور اجتماعاتهم، أو قراءة كتبهم ونبذاتهم، وبخاصة لمن ليس له أساس راسخ في العقيدة.. كمن يحضر اجتماعات السبتيين أو يستقبل مبشرين من شهود يهوه، أو يتأثر بكتابات أو عظات غير أرثوذكسية... فيبدأ الشك يدخل إلى قلبه وفكره. والفروض أن يكون الإنسان ثابتًا في عقيدته. وما أجمل قول الرسول: " مستعدين كل حين، لمجاوبة كل من يسألكم عن سر الرجاء الذي فيكم" (1بط3: 15). وهكذا يكون الإنسان في عقيدته مبنيًا على الصخر، وقد يحاول البعض أن يقنعك بأن دراسة العقيدة جفاف بعيد عن الروحانية، لكي لا تدرس ثم تقع في الشك إذا حوربت بسؤال صعب. أما أنت فاقرأ الكتب الروحية، وادرس الكتب العقيدية واللاهوتية أيضًا... 3 الشك في الأصدقاء: هذا الشك سببه قلة الثقة، أو قلة المحبة. إن الإنسان إذا أحب شخصًا محبة حقيقية، يثق فيه، وبالتالي لا يشك.. والعلاج هو العتاب، بجو من الصراحة والمواجهة، وفي محبة... وكذلك عدم التأثر بالسماعات والوشايات، وعدم تصديق كل ما يقال.. لأنه كثيرًا ما يكون الاتهام مبنيًا على ظلم، مهما كانت تبدو الدلالات واضحة...! ولا يصح أن تحكم على أحد حكمًا سريعًا، وبدون الاستماع إليه... 4 الشك في الناس: ربما خطأ فردي، تطبقه على الكل... خطأ فرد في جماعة، يطبق على كل الجماعة! أو سقطة فرد في أسرة، تجلب الشك في كل الأسرة، وربما يكون بعض أفرادها صالحين جدًا... بل قد يتمادي الشك حتى شعبًا بأكمله أو بلدًا بأكمله.. 5 – الشك في الفضائل: كأن يشككك شخص قائلًا: ما لزوم الصوم؟ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟ وما معني الحرمان؟ وما لزوم العفة؟! وما لزوم الصلاة مادام الله يهتم بنا دون أن نصلي؟! وقد يتمادي ليقول لك: ما لزوم الفضائل؟! إنها أعمال. أو ناموس!! والإنسان لا يتبرر بالناموس!! أو قد يقول لك: خذ راحتك! مادامت مؤمنًا، فلن تهلك! حتى إن سقطت سبع مرات فلابد ستقوم! وقد يأتي الشك في المبادئ والقيم. الشك في ما هو الحلال وما هو الحرام؟ الشك في المخترعات الحديثة كالتلفزيون والراديو والسينما والموسيقي، وهل هي حرام أم حلال؟ والشك في أشياء كثيرة جديدة على المجتمع، مثل تحديد النسل، وأطفال الأنابيب... إلخ. والأمر يتوقف على الروح وليس الحرف. وكذلك على الفهم والدراسة. فالسنيما حسب نوعية استخدامها، تكون حرامًا أو حلالًا، وكذلك التليفزيون والراديو والفيديو والموسيقي والتمثيل.. هل هي تستخدم للخير أو للشر؟ 6 – الشك في النفس: أحيانًا يشك الإنسان في نفسه، فلا تكون له ثقة في نفسه، ولا في قدراته وإمكانياته...! كالطالب يشك في قدرته على النجاح، أو في كفاية الوقت له...أو إنسان يشك في تصرفاته، هل هي سليمة أم خاطئة؟ وهل هو محبوب من الناس أم مكروه. الطفل يحدث له هذا. ولذلك نعطيه الثقة بالمديح وبالتشجيع. أما التربية القاسية وكثرة التوبيخ، فقد تولد عقدة الشك في النفس. حتى الكبار يحتاجون أيضًا إلى تشجيع وإلى كلمة طيبة، وإلى رفع روحهم المعنوية، وبخاصة إن كانوا في حالة مرض أو ضيق، أو في مشكلة وضائق، حتى لا يدركهم اليأس. وحتى لا يقول الواحد منهم... لا فائدة.. قد ضعت!! وهكذا يشك في مصيره.. وقد يشك الإنسان في طريقه في الحياة، وما الذي يناسبه ويصلح له؟ هل حياة الزواج أم البتولية؟ أم الرهبنة أم الخدمة أم التكريس هل يقوي على هذا الطريق أم لا؟ وهل يثبت فيه أم يندم عليه وهل تصلح له هذه الدراسة أو هذه الوظيفة أم تصلح؟ ربما تكون مجرد أسئلة، وقد ترتفع إلى مستوي الشكوك وتتعب النفس وتحيرها. وقد يصل فيها الشخص إلى مرحلة من التردد يعجز أن يبت فيها بقرار. وقد يلجأ إلى الاستشارة ويستمر معه الشك، أو يلجأ إلى القرعة ويستمر أيضًا معه الشك. يعض الناس: المراحل المصيرية أمامهم محاطة بالشكوك، وطريقهم غير واضح لهم، يقفون أمامه في تردد. والأمر يحتاج إلى الثبات في الهدف وفي الوسيلة، وفي المبادئ الروحية. ويحتاج أيضًا إلى معرفة للنفس وصراحة في مواجهتها وتحديد اتجاهاتها وإمكانياتها. أما الشك في القدرة، فيسنده قول القديس بولس الرسول: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (في4: 13). 7 – الشك في الخدمة: كثيرًا ما يشك الخادم في خدمته، هل هي ناجحة أم فاشلة؟ وهل يستمر فيها أم ينقطع عنها؟ وربما يكون السبب أنه يهتم بالثمر السريع. فإذا لم يأت، يشك في خدمته. ولعلنا نأخذ درسًا من الزراعة، إذ تحتاج البذرة إلى وقت حتى تنمو، وإلى وقت حتى تشتد وتصبح شجرة. إن أم أوغسطينوس استمرت تصلي من أجل أوغسطينوس صلوات طويلة، دون أن يبدو هناك ثمر. ولم تشك... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أسباب الشك قد تكون أسباب الشك داخلية، نابعة من الإنسان نفسه. وقد يكون للشك أسباب خارجية. وسنحاول أن نتأمل كل هذا، لكيما نعرف العلاج المناسب... 1 – قد يكون سبب الشك هو طبيعة الشخص نفسه: كأن تكون شخصيته مهزوزة أو معقدة، يسهل أن تقع في الشك. أو قد يكون موسوسًا، وطريقته في التفكير تجلب له الشك... وقد يكون ضيق التفكير، ليس أمامه سوي الشك. ولو كان واسع الأفق لزال شكه.. 2 – البساطة أو العمق: قد يكون إنسان بسيطًا، يصدق كل شيء، فلا يقع في الشك. وربما هذا البسيط نفسه يقبل كل ما يقال له فيقع في شكوك، كأن يحكي له شخص عن أخطاء صديق له في حقه، فيصدقها ويشك فيه. أو لبساطته يخدعه الناس من جهة عقيدة أو إيمان ويوقعونه في شكوك. وبنفس الوضع نري أن الإنسان العميق التفكير قد يصل إلى النتيجتين معًا: الشك وعكسه.. فبالعمق قد يكشف زيف الشكوك فلا يقع فيها. وأحيانًا شدة التفكير تقوده إلى لون من العقلانية يفقد فيها بساطة القلب، ويحب أن يستوعب أسرارًا لاهوتية أو روحية بعقله القاصر، فيقع في الشك. وهكذا ما أكثر وقوع فلاسفة في الشكوك... 3 – الخوف: الخوف والشك يتلازمان في كثير من الأحوال. وقد يكون أحدهما سببًا، وقد يكون هو النتيجة.. فالخوف يجلب الشك. والشك يكون من نتائجه الخوف. فبطرس الرسول حينما مشي على الماء، ثم شك، خاف نتيجة لشكه. ولما خاف زادت شكوكه فسقط في الماء، وصرخ... 4 – حروب الشياطين: كثيرًا ما يكون الشك حربًا من الشيطان. وهي حرب قديمة، مثلما فعل الشيطان مع أبوينا الأولين، ليجعلهما يشكان في طبيعة الشجرة المحرمة، وفي نتيجة الأكل منها، وبالتالي يشكان في وصية الله لهما... وقد حاول أن يحارب السيد على الجبل بالشك أيضًا فلم يفلح. وكذلك على الصليب "إن كنت ابن الله، انزل من على الصليب". (مت27: 40). وبالشك حاول الشيطان أن يثني القديس أنطونيوس عن طريق الرهبنة. وربما يأتي الشيطان بشكوك للإنسان في ساعة الموت حتى يهلكه... إن الشيطان يعرف كل الشكوك التي مرت على العالم من آلاف السنين، ويمكنه أن يحارب بها وهو يلقي الشكوك في كل شيء... في الإيمان، وفي العلاقات مع الآخرين، لكي يبلبل فكر الإنسان ويلقيه في حيرة. والشكوك لا تأتي من الشيطان فقط، وإنما.. 5 – من البيئة: من الوسط المحيط. مثلما حدث لمريم المجدلية: التي رأت السيد المسيح بعد القيامة وكلمها... مع ذلك لما وجدت نفسها في وسط كله شكوك وقد ألقي اليهود الشائعات التي ملأت المكان، حينئذ شكت المجدلية أيضًا! (يو20). وقد تأتي الشكوك أيضًا من معاشرة الشكاكين. وكما أنه بمعاشرة الواثقين والمؤمنين، ينتقل الإيمان والثقة إليك، كذلك بمعاشرة الشكاكين ينتقل الشك. فأبعد عن عشرة هؤلاء أو على الأقل احترس من كلامهم ولا تصدقه. ومن المصادر التي تنقل الشك، القراءة التي تحوي شكوكًا، فأبعد عنها. وليكن اختيارك للكتب من النوع الذي يبنيك وليس من النوع الذي يحطم فيك العقائد أو القيم! لأن هناك كتابًا هوايتهم أن يشككوا القارئ في المسلمات الثابتة، لكي يظهروا أنهم يفهمون ما لا يفهمه الغير! ومن مصادر الشك أيضًا: الشائعات وكثيرًا ما تكون خاطئة. لذلك لا تصدق كل ما يقال، ولا تردد هذه الشائعات أنت أيضًا، وإلا يكون الشك قد دخل إلى نفسك. ومن أسباب الشك أيضًا: 6 – الانحصار في سبب واحد: ربما لا يحضر صديق حفلة تقيمها. وتكون هناك أسباب عديدة لعدم حضوره ولكنك إن حصرت التعليل في سبب واحد تخيلت به اهماله لمشاعرك، حينئذ يدخلك الشك. كذلك في تأخر زوج عند موعد رجوعه إلى بيته... إن حصرت الزوجة تفكيرها في سبب واحد، يدخلها الشك. لذلك – فليكن ذهنك متسعًا وافترض أسبابًا عديدة، وحللها، حتى لا تظلم أحدًا لا تشك في محبيك.. والعجيب أن الذين ينحصرون في سبب واحد، قد يتخيرون أسوأ الأسباب التي تتعبهم وتبلبل أفكارهم... مثل أم تتأخر ابنتها عن ميعاد عودتها إلى البيت، فتسك أنه قد أصابها حادث أو أن أحدًا خطفها، أو حدث لها سوء من أي نوع. وتظل في قلق حتى تعود.. وربما يكون قد دخلها الشك في إنها ستعود..! وقد يأتي الشك من سبب آخر هو: 7 – طول المدة: مثلما حدث لأبينا إبراهيم، لما طالت المدة عليه ولم ينجب نسلًا. ومثلما يحدث أن أناسًا تطول عليهم المدة في ضيقة أو في مشكل، دون حل وهنا نتطرق إلى سبب آخر هو: 8 – الشك بسبب الضيقات: مثلما حدث لجدعون الذي شك قائلًا للملاك: "إذا كان الرب معنا، فلماذا أصابتنا كل هذه (البلايا)؟ وأين عجائبه التي اخبرنا بها آباؤنا؟" (قض6: 13). ومثل شكوك الشعب في البرية، وكذلك أمام البحر الأحمر.. (خر14) إن شدة الخطر قد تجعل الإنسان يشك. وهكذا كانت مشاعر الجيش أمام جليات الجبار، بعكس داود النبي الذي لم يشك مطلقًا، وقال للجبار في ثقة: "اليوم يحسبك الرب في يدي" (1صم17: 46). وإذا صالت المدة في الضيقة، ووصل صاحبها إلى اليأس، فقد يشك في رحمة الله، أو يشك في أن هناك عملًا قد عمل له، ويبدأ في زيارة المشعوذين ليكفوا له هذا العمل...! إن الضيفات وطول المدة، تحتاج إلى قلب قوي لا تلعب به الأفكار والشكوك. ومن أسباب الشك أيضًا: 9 – تعميم الخطأ: كإنسان تعيش في بيت مملوء بالنزاع والشجار بين أبيها وأمها، فتخاف من الزواج، وتشك في أنها إذا تزوجت، لابد سيحدث لها مثل هذا. تشك في كل زوج أنه سيكون مثل أبيها في معاملته لأمها..! أو كإنسان قال سرًا لصديق فأذاعه. وحينئذ يشك في جميع الأصدقاء وإخلاصهم. وربما تكون النتيجة أنه ينطوي على نفسه، ولا يقول كلمة سر لأحد مهما كان قريبًا إلى قلبه ويقول... لعله يفعل مثل فلان! لاشك أن كل الناس هكذا! فيقول لك أحدهم: شعب البلد الفلانية كلهم بخلاء. أو احترس أن تتزوج أحدًا من بلد كذا... كل ذلك بسبب حادث فردي... 10 الشك بسبب الوهم: فقد يتوهم شخص أن رقم 13 لابد أن وراءه شرًا. فيدخله الشك في كل يوم يكون تاريخه 13 أو مضاعفاته، سواء من الشهر الميلادي أو العربي أو القبطي... وتكبر المسألة في ذهنه إلى حد الوسوسة... ويكون من الصعب أن تخرج هذه ( العقيدة) من ذهنه... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف في موضوع الخوف لابد أن نضع أمامنا مقدمتين هامتين وهما: 1 – ليس كل خوف خطيئته أو حربًا فهناك خوف مقدس... 2 لم يكن الخوف في طبيعة الإنسان عند خلقه، قبل خطيئته أبوينا الأولين... فلما خلق الله آدم، كان يعيش مع الوحوش ولا يخاف. وكانت علاقته مع الله أيضًا خالية من الخوف. ولكنه بعد الخطيئة بدأ يخاف. ومن فرط خوفه اختبأ وراء الأشجار. وقال لله: "سمعت صوتك في الجنة فخشيت" ( تك3: 10). وزاد مرض الخوف بعد قتل قايين لأخيه: وتحول إلى رعب. وهكذا قال قايين لله: "إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض، ومن وجهك أختفي، وأكون تائهًا وهاربًا في الأرض فيكون كل من وجدني يقتلني" (تك4: 14). ومن ذلك الحين، أصبح الخوف أحد الأمراض النفسية، ودخل في طبيعة الإنسان. وتعددت أسباب الخوف، وتعددت نتائجه. وصار إحدى الحروب الروحية التي يحارب بها الشيطان الإنسان. وأصبحت هناك درجات من الخوف، الخشية والجُبن والفزع، والهلع، والرعب بل يمكن أن يموت الإنسان من شدة الخوف، ويمكن أيضًا أن يفقد عقله، أو تنهار أعصابه ويرتعش جسمه خوفًا... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف المقدس وتدخل فيه عبارة" رأس الحكمة مخافة الله" (مز111: 10، أم 9: 10). وعبارة" سيروا زمان غربتكم بخوف" ( 1بط1: 17). وقد قال السيد المسيح: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد. ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم" (مت10: 28) "نعم أقول لكم من هذا خافوا" (لو12: 5). وهنا يقدم لنا السيد المسيح نوعين من الخوف: أحدهما مطلوب، والآخر خوف خاطئ. ومخافة الله تدعو إلى مهابته وطاعته وحفظ وصاياه، وتقود إلى محبته وإلى حياة التوبة وحياة الخشوع. على أن الخوف المقدس بكل أنواعه ليس هو موضوع حديثنا اليوم، لأننا نركز هنا على الحروب الروحية. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف الطبيعي قال أحد علماء النفس إن الإنسان يخاف من ثلاثة أسباب: الظلام والمجهول والحركة المفاجئة... وواضح أن هذه الأسباب الثلاثة تتركز في سبب واحد، هو المجهول، فالظلام يطوي خلفه مجهولًا. والحركة المفاجئة لها سبب مجهول... على أن هناك أشخاصًا لهم جسارة قلب، لا يخافون من الظلام ولا من الحركة المفاجئة، ومع ذلك ليسوا روحيين..! |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف من الموت وغالبية الناس أيضًا يخافون من الأذى، ومن الموت ومسبباته... يندر أن يوجد إنسان لا يخاف من الموت. وربما يكون هذا الخوف هو أيضًا خوف من المجهول. فالموت شيء مجهول، لم يجربه الخائف وكذلك ما وراء الموت شيء مجهول أيضًا. والإنسان يخاف هذا الموت كيف يموت؟ كيف تخرج روحه من جسمه؟ كل هذه السباب تخيف الكثيرين... أما الذي يضمن مصيره بعد الموت، فإنه لا يخافه، بل يشتهيه. وهكذا يقول القديس بولس الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في1: 23) ولاشك أن اللص اليمين ما كان يخاف الموت، بعد سماعه وعد الرب له: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 43). ولا سمعان الشيخ كان يخاف الموت، لأنه طلبه من الرب: "الآن يا رب تطلق عبدك بسلام حسب قولك، لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو3: 29، 30). إنما يخاف الموت غير التائب، وغير المستعد له. ويخافه من يحب العالم الحاضر. وكل هذا يدل على أن في الأمر خطية. حتى إن كان خوف الموت شيئًا طبيعيًا، إلا أن الأسباب التي دعت هنا إلى هذا الخوف، تحمل معنى الخطية. وبعض القديسين المشهورين بالاتضاع كانوا يخافون الموت قائلين إنهم خطاة. وخوف الموت إما يجعل الإنسان يستعد له، أو يهرب منه. الإنسان الروحي يستعد للموت بالتوبة والسلوك في محبة الله، وحينئذ يختفي الخوف منه، يمنحه الله اطمئنانا. ولكن الشيطان قد يستغل خوف الموت، ليلقي بضحيته في اتجاه عكسي. يجعله يهرب من الموت، ومن سيرته ومن أخباره، وينهمك في ملاذ الحياة فلا يسمع عن هذا الموضوع المتعب! وللأسف نجد مرضي في حالة خطيرة وعلى حافة الموت، بينما أقاربهم يبعدون عنهم هذا الاسم المخيف وكذلك أطباؤهم، بأكاذيب، وطمأنة خادعة، ويشغلونهم في أحاديث وسمر ولهو وتسلية، لكي ينسوا. وهكذا يريحونهم من خوف الموت، إلى أن يدهمهم فجأة بدون استعداد. أو قد يغري الشيطان ضحيته قائلًا: ما دمت ستموت. تمتع إذن بالدنيا على قدر استطاعتك، قبل أن تتركها. مثال ذلك قول الابيقوريين: "فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (1كو15: 32). وهكذا نجد الخوف من الموت سلاحًا والبعد عن خوف الموت سلاح آخر. والشيطان يحارب بالاثنين كليهما فإذا تأكد الإنسان أنه سيموت، قد يحاربه الشيطان بطريقة أخري تمنع عنه التوبة والاستعداد للموت، وهي: يجعل خوف الموت يشل تفكيره فيحصره في الخوف، وليس في الاستعداد لأبديته. لا يجعل أمامه سوي رعب الموت، بحيث هو الصورة الوحيدة القائمة أمامه، بكل ما تحوي من ترك الحياة وترك الأحباء وترك الملاذ. وما في هذه الصورة من يأس وألم.. دون التفكير في الأبدية والاستعداد لها. وفي حالات أخري، قد يتخذ الشيطان خوف الموت، ليلقي بالإنسان في خطايا مميتة، كإنكار الإيمان مثلًا. وهنا نقول إن الشهداء والمعترفين ما كانوا يخافون الموت إطلاقًا، بل كانوا يشتهونه ليصلوا إلى الحياة الأفضل، في عشرة الله وملائكته وقديسيه. إن محبة الأبدية، تنجي القلب من خوف الموت، وتعطيه روح الاستعداد. الحديث عن الأبدية، وعن أورشليم السمائية، وعن القيامة الممجدة والحياة بالروح.. كلها من الموضوعات الجميلة التي يلزم لأولاد الله أن يتأملوها، ويتركوا تأثيرها يتعمق في قلوبهم وفي أفكارهم وأحاسيسهم. الذي يخاف الموت، يخاف العدوى والجراثيم، وضعف الصحة. وقد يحاول الوقاية من كل هذه السلبيات بطريقة مرضية أيضًا قوامها الخوف الزائد عن الحد، الذي يشك في كل شيء.. وقد يتخذ الشيطان خوف المرض، ليلقي بالإنسان، في ملاذ الحياة.. في الأكل والشرب والمقويات، حتى تتحسن صحته... وفي الرياضة وتغيير الجو وعدم حمل الهموم، والتخفيف من العمل، من النشاط الزائد والكد والجهد.. بطريقة مبالغة جدًا، وخائفة جدًا، حتى يهمل ضروريات روحية هامة، ويهمل الإخلاص لواجبه، ويبتعد عن زيارة المرضي. وتصبح صحة الجسد هي هدفه، وليس نشاط الروح..! على أن المرض ليس هو السبب الوحيد للموت. فقد يموت الإنسان نتيجة لشجاعته وبسالته، كالجندي مثلًا... فإذا زحف خوف الموت إلى قلب إنسان، قد يسلبه الشجاعة والجرأة ويحوله إلى مخلوق جبان، مهلهل النفسية، ينتزع الخوف منه كل مقومات الشخصية. ولذلك حسنًا قال القديس أوغسطينوس: [جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أني لا أخاف شيئًا ولا أشتهي شيئًا]. وهذه النقطة تنقلنا إلى عنصر آخر من عناصر الخوف وهو: الخوف من الناس |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف من الناس إنها حرب روحية أخري تصيب البعض ممن تضعف نفوسهم، وهي خوف الناس. وقد لا يخافون الله، مثلما يخافون الناس، ويخشون أذاهم!! يتصورن في الناس قوة قد تبطش بهم، أو تضيع مستقبلهم، أو تتعبهم وتؤذيهم، أو تخدش سمعتهم، أو تقف في طريق آمالهم... لذلك هم يعملون للناس ألف حساب... ويستغل الشيطان خوفهم من الناس لكي يلقبهم في المقل والرياء والنفاق. يظنون أنهم بتملق الناس يكسبون محبتهم ورضاهم عنهم، أو على الأقل بهذا الرياء يبعدون أذيتهم عنهم. وهكذا ترخص نفوس الناس، ويهبط مستواهم. ولا مانع من أجل إرضاء الناس أن يقولوا عن المر حلوًا، وعن الحلو مرًا، وأن يعادوا من يعاديه هؤلاء، ويصافوا من يصادقوه!! وتضيع المبادئ والقيم في طريق الخوف، بل قد يضيع الإيمان نفسه!! وقد يقع الإنسان في خيانة أحبائه خوفًا. وينسى قول الكتاب: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس" (أع5: 29) وينسي أيضًا قول الوحي الإلهي: " مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب" (أم17: 15). ويصبح كل ما يشغل هذا الخائف هو كيف ينجو أيًا كانت الوسيلة أو متعبة للضمير. وفي الخوف، وفي صغر النفس، لا يذكر إلا تلك العبارات... أرضهم، مادمت في أرضهم. ودارهم، ما دمت في دراهم. وحيهم، مادمت في حيهم. يفعل ما يفعلون، يقول ما يقولون، ولا مانع من أن يتقلب مع الجو. إن الخوف يجرفه مع التيار فيسيره الخوف وليس الضمير. وقد تعاتب هذا الإنسان، وتذكره بالمبادئ الروحية، فيقول لك: [ماذا أفعل؟ حياتي في يد هؤلاء]! فإذا قلت له: بل حياتك في يد الله وحده تكون كمن يتكلم كلامًا نظريًا بعيدًا عن الواقع والحياة العملية. حقًا، ما أكثر الذين حطمهم الشيطان بالخوف. وكان إيمانهم القلبي أقل بكثير من المخاوف الخارجية. وكثيرون عبدوا البشر وليس الله. لا بسبب خوفهم من الأذى فحسب، إنما أيضًا لخوفهم من أن تضيع شهوات لهم أو مكاسب عالمية، هي في أيدي هؤلاء الناس، يمنحونها أو يمنعونها..! والذي يشتهي يخاف أن يفقد ما يشتهي، فيسير في التيار. هؤلاء لم يخافوا فقط من رؤسائهم في العمل، أو مصادر المادة بالنسبة إليهم، إنما كذلك مصادر متعتهم!! وهنا ما أكثر أخطاء الساقطين: محبة المتعة خطأ. والخوف من فقد هذه المتعة خطأ آخر. وتملق من يخافون أن يفقدهم متعتهم خطأ ثالث. واستمرارهم في هذا الخوف، من أجل استمرار المتعة خطأ رابع.. وهكذا دواليك... وقد يخاف البعض من يخشون أن يكشفوهم في أخطائهم. فإما أن يعاملوهم بخوف، في مجالات للإرضاء والإسكات. وإما أن يقودهم الشيطان إلى التخلص بجريمة من هؤلاء! كالسارق الذي يقتل من يراه وهو يسرق. وكالزاني الذي يقتل من قد يفضح خطيئته. ولا يكون القاتل في هذه الحالة في مركز القوة، إنما على العكس: في مركز الضعف والخوف.. والناس عمومًا يخافون من هم أقوي منهم. سواء من هم منهم عقلًا، أو أقوي منهم بطشًا، أو أقدر على الانتقام، أو على تدبير المشاكل. والخوف من الناس يزيدهم إيذاء. يشعرون أن الذي أمامهم غير قادر عليهم، فيقدرون هم عليه، أو يستمرون في تخوفهم له. وفي خوفه، يخضع بالأكثر. وفي خضوعه يزداد إيذاء من يخيفونه. والدائرة دور.. وبنفس الطريقة يسلك الشيطان مع الناس. فلينتقل إلى هذه النقطة: الخوف من الشيطان. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف من الشيطان الشيطان يفرحه أن تخافه. فإذا خفت، تستسلم له. أو تيأس من حربه فلا تقاوم. أو تستشعر الهزيمة كلها حاربك، فلا تستبتل في مصارعته. بينما الرسول يقول: "قاوموه راسخين في الإيمان" (1بط5: 9) حتى لو كان كأسد يزأر.. القديس الأنبا أنطونيوس، حاربه الشيطان بكل الأساليب، فلم يخف منه.. حتى حينما كان يظهر مفزعة، ما كان القديس يفزع. كان الأنبا أنطونيوس لا يخاف أن يبيت في مقبرة وسط العظام. وكذلك القديس مقاريوس الكبير، ما كان يخاف من المثل وهو متوسد جمجمة، يكلمه الشيطان من داخلها..؟ آباؤنا انتصروا على الشيطان، لأنهم ما كانوا يخافونه، ولأن الرب أعطاهم -وأعطانا- سلطانًا على جميع الشياطين. حقًا، ما أجمل قول السيد المسيح: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء" (لو10: 18). لا تخف إذن من الشيطان، إن القوة الإلهية التي معك هي أعظم بكثير من قوتهم التي يهاجمونك بها. وأيضًا لا تخف، لأن الله لا يسمح بأن تجرب فوق ما تطيق (1كو10: 13). والشيطان لا يستطيع أن يقرب إليك، بدون سماح من الله، كما هو واضح في قصة أيوب الصديق... والله لا يسمح له إلا في حدود استطاعتك أنت في أن تنتصر. فلا تعط الشيطان قدرًا فوق قدرة، ولا تخف منه فوق ما ينبغي... واعلم أن ما يلزمك في معاملة الشياطين، هو الحرص وليس الخوف. ولا نترك هذه النقطة بدون ملاحظة أخري، وهي: الخوف بلا سبب! |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الخوف بلا سبب! كثيرون يخافون بدون سبب جدي يدعو فعلًا إلى الخوف. خوفهم إما خوف طفولي، أو قد يكون لونًا من الخوف المرضي.. فالطفل قد يخاف من لصوص في البيت أو أشباح، بينما لا يكون هناك لصوص ولا عفاريت. والكبار بنفس الوضع قد يخافون من أسباب لا وجود لها، أو يتصورن مخاوف وهمية، لا حقيقة لها على الإطلاق. . إنما يخلقهما خيالهم المريض؟ وهناك أمراض نفسية من هذا النوع، فيها عقدة الخوف، يتصور فيها المريض أن هناك من يعملون على إيذائه. بينما لا يؤذيه إلا مرضه النفسي..! وقد يكون لهذا الخوف أسباب من حروب الشياطين التي تغرس فيه الخوف تضع في عقله شكوكًا غير موجودة، أن هناك من يدبر ضده تدابير، أو يترصده، يحاول إيذاءه. علاج الخوف:يحتاج الإنسان أن يتذكر وعود الله الكثيرة التي تقول له لا تخف.. لا يقع بك أحد ليؤذيك (أع18: 10). ويتذكر باستمرار حفظ الله ومعونته. والإيمان يمنع الخوف، ويذكر الخائف بالقوة الإلهية الحافظة له.. وما أجمل قول داود النبي: "إن سرت في وادي ظل الموت، فلا أخاف شرًا لأنك أنت معي" (مز23). |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
حروب الفكر و الأفكار الخاطئة https://st-takla.org/Gallery/var/resi...-Fathy-003.jpg المفروض في الإنسان أن يعيش نقيًا وهذه النقاوة تشمل روحه وجسده ونفسه وفكره ومشاعره، وكل شيء.. ونحن نصلي إلى الله في قداساتنا قائلين: "كل فكر لا يرضي صلاحك، فليبعد عنا". ونقول أيضًا في صلواتنا: "طهر نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا، وأفكارنا ونياتنا" إذن لأفكار أيضًا تحتاج إلى تطهير. والأفكار الخاطئة التي تمر على العقل قد تكون أفكار غضب أو انتقام، أو أفكار عظمة وكبرياء ومجد باطل وأحلام يقظة، أو أفكار حسد وغيره، وشهوات عالمية، أو قد تكون أفكار زنا ونجاسة.. وما إلى ذلك، ولهذا يقال في القداس أيضًا: "تذكار الشر الملبس الموت". أي الذي يؤدي إلى الموت الروحي، هذا ينبغي ألا نجعل ذاكره تجول في أذهاننا. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
البُعد عن تذكار الشر تذكرك خطايا الآخرين، قد يوقعك في خطية الإدانة، أو تحقير الناس والتشهير بهم... وتذكرك إساءات الناس إليك، قد يوقعك في كراهيتهم وفي خطية الغضب وربما شهوة الانتقام.. وتذكرك الخطايا الجسدية، قد ينجس فكرك ويوقعك في شهوة الجسد مرة أخري. إن تذكر الشر باستمرار، يثبت الفكر الشرير في أعماق النفس. يثبته في العقل الباطن. ومن الأفكار الخاطئة المترسبة في العقل الباطن، تصدر أفكار شريرة، وظنون سيئة، وشكوك وتصدر أيضًا شهوات. وقد تظهر أيضًا شهوات. وقد تظهر الخطايا في هيئة أحلام. لذلك ابعد عن الفكر الشرير، ولا تحاول أن نتذكره... حتى في تبكيت النفس عليه. فما أدراك؟ قد يبدأ دخول الفكر إليك بالتبكيت، ثم يتحول إلى حرب داخلية تعود فيها المناظر الشريرة، لا بأسلوب ندم إنما بانفعال وشهوة... ولعل إنسانًا يسأل: ألا يجوز لي أن أضع خطيتي إمامي في كل حين، أبكت نفسي عليها، لا كسب التوبة والاتضاع؟ أقول: يمكن أن تتذكر خطيئتك بصفة عامة، ولكن حذار أن تدخل في التفاصيل المعثرة، أو في التفاصيل المثيرة. ونقول هذا بالذات عن الخطايا الانفعالية، والخطايا الشهوانية، وبخاصة إن كان الإنسان لم يتخلص منها تمامًا، ولم يصل فيها إلى النقاوة الكاملة، ويمكن أن تعود فتحاربه... إنك أن بدأت تتذكر تفاصيل هذه الخطايا، إنما تدخل نفسك في دائرتها مرة أخري. وقد يكون التبكيت على الخطية، مجرد خدعة يلجأ إليها الشيطان ليدخل بها الفكر إليك أو أنه ينتهر هذه الفرصة المقدسة لكي يحولها عن مسارها إلى اتجاه مضاد. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
بداية الفِكر إن فكر الخطية قد لا يبدأ بخطية.. لأنه لو بدأ هكذا، يكون قد كشف عن نفسه، وعندئذ يهرب منه القلب النقي، أو يطرده، أو يقاومه بكل السبل حتى لا يثبت. ولكنه قد يبدأ بصورة خداعية... ربما يبدأ مثلًا بالغيرة المقدسة، ومحبة الرغبة في بناء الملكوت... ويتطور إلى دراسة الأخطاء التي تحتاج إلى إصلاح. ويتدرج من الأخطاء إلى المخطئين. ومن الرغبة في إصلاحهم إلى القسوة عليهم. وحينئذ يصبح الفكر كله إدانة وسخط على هؤلاء، وكراهية لهم، ورغبة في القضاء عليهم. وهناك فقط يكشف الفكر عن ذاته. وقد يبدأ الفكر بعكس هذا، بالعطف على الساقطين ومحاولة إنقاذهم. وهنا يستعرض نوعية السقوط، ودرجته وأسبابه وقصصه... وربما ينفعل بكل هذا انفعالًا أليمًا، فيسقط فكريًا في نفس الأمر.. لذلك ليس كل إنسان يصلح في العمل على إنقاذ الآخرين، ولا في ميدان الإصلاح. الفكر الخاطئ قد لا يبدأ بصورة خطية. وأيضًا قد يبدأ ضعيفًا. يخيل إليك أنك تستطيع بسهولة أن تنتصر عليه... ولكنك كلما تستبقيه داخلك، وكلما تأخذ وتعطي معه.. يثبت هو أقدامه ويقوي عليك. ذلك لأنك مكنته من وضع اليد على أرض مقدسة داخل نفسك. كما إنك أشعرت الفكر أنك تريده باستبقائك إياه... ومادمت تريده، إذن فأنت تعجز عن طرده. كذلك في استقباله، يكثر إلحاحه عليك، وضغطه على مشاعرك، وحينئذ قد تضعف أمامه، لأنك لم تعد في قوتك الأولي التي كانت لك بداية الفكر.. ولم يعد هو في ضعفه الذي بدأ به.. وهنا تبدو الحرب غير متوازنة، وتحتاج إلى مجهود أكبر للسيطرة عليها. أمنا حواء، لما بدأ معها الفكر، كان أضعف منها، مجرد سؤال. وقد تمكنت فعلًا من الرد على الفكر بقوة، فلم تذكر فقط أن الله قال لهما: "لا تأكلا من الشجرة" بل أنه قال بالأكثر" لا تمساه".. ولكن حواء مع معايشة الفكر الخاطئ، واستمرار عروضه وإغراءاته، بدأت تضعف، وتحولت من الفكر، إلى الشك، وأي الشهوة، وأخيرًا مدت يدها وقطفت وأكلت، وسقطت وأسقطت غيرها. وبالمثل حدث لقايين.. قال له الله إن الخطية رابضة على الباب، إنها لم تدخل بعد، إنه (أي قايين)" يسود عليها" (تك4: 7). ومع ذلك بتوالي الفكر، وسماحه له أن يدخل إلى قلبه ومداولته معه، خضع قايين أخيرًا للفكر الذي سيطر عليه، وقاده إلى قتل أخيه... نقطة أخري في سبب سيطرة الفكر عليك بعد أن كان ضعيفًا: وهي إنك باسترخائك في طرد الفكر الخاطئ، إنما تخون الرب، باستبقائك فكرًا ضده، وبسبب هذه الخيانة تتخلى عنك النعمة التي كانت مصدر قوتك. وحينئذ يصبح من السهل سقوطك... وربما كان في داخلك لون من الكبرياء، شعور بالذات، يقنعك أنك أقوي من الفكر، وأنك تستطيع طرده في أية لحظة أردت!! ولذلك تتركك النعمة لتشعر بضعفك فتهرب في المستقبل من أي فكر خاطئ يأتيك... وهكذا تنتصر عليه بالاتضاع وليس بادعاء القوة والقدرة على طرده.. وربما الفكر الضعيف الذي أتاك، استطاع أخيرًا أن يقوي عليك، لأنك حاربته وحدك، ولم تلجأ إلى الله بالصلاة لكي ينقذك منه، ونسيت أن ترشم ذاتك بعلامة الصليب وتلبس قوة من فوق... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
مصادر الفكر الخاطئ 1 – قد يأتي الفكر من فكر سابق... فالأفكار ليست عميقة، إنها تلد أفكارًا من نوعها، كجنسها، ربما فكر بدأت به من أيام، ويريد أن يكمل... قصة بدأت، ولم تصل إلى نهاية، وتريد مزيدًا من التفاصيل. ولو من باب حب الاستطلاع، فأهرب من ذلك. 2 – وقد يأتي الفكر الخاطئ من الخبرة. 3 – أو ربما تركت في عقلك الباطن قصص أو مشاعر أو رغبات، تحب أن تطفو على عقلك الواعي، وتتفاوض معك!.. فاحرص على نقاوة عقلك الباطن، ولا تختزن فيه أشياء تعكر نقاوة فكرك... وإن كنت قد اختزنت فيه خطايا أو معثرات قديمة، فلا تستعملها. بالوقت والإهمال يتنقى منها، بحلول أفكار نقية جديدة تحل محلها داخلك. 4 – والعقل الباطن يختزن من مصادر متعددة، منها القراءات، والسامعات، والمناظر، والأفكار، والشهوات.. عليك إذن أن تكون حريصًا على نقاوة قلبك في كل ما تقرؤه وما تسمعه وما تراه، وكل ما تفكر فيه.. وإن تجعل رغباتك أيضًا نقية، كما تحرص على نقاوة حواسك، وعلى رأي مارإسحق. 5 – الحواس هي أبواب الفكر. احترس إذن من الحواس التي عملها هو "الجولان في الأرض والتمشي فيها" (أي1: 7). فهي تجول هنا وهناك تجلب للعقل أفكارًا من النظر الطائش غير النقي، ومن السماعات الباطلة، ومن كل ما تشم وما تلمس. الحواس النقية تجلب أفكارًا نقية. والحواس الدنسة تجلب أفكارًا دنسة. والحواس الطائشة تجلب أفكارًا طائشة. وضبط الحواس يساعد بلا شك على ضبط الفكر أيضًا.. والذي جاهد للحصول على نقاوة الفكر، علية أن يراقب حواسه، ويدربها على الحرص الروحي. 6 – والفكر الخاطئ قد يأتي أيضًا من الشيطان، أو من الناس. سليمان كان أحكم أهل الأرض، وبالوقت تأثر بنسائه (1مل11: 3). وكم من زوج فشل في حياته بسبب ما تصبه أمه أو أخته في أذنيه من جهة زوجته، فتأثر بذلك، ودخلته أفكار لم تكن عنده من قبل في فترة الخطوبة وفي الشهور الأولي للزواج. وكذلك كم من زوجة فشلت بسبب نصائح أهلها. أفكار غريبة تأتي لأي شخص، ليست هي منه، ولكنها تستطيع أن تغير طبعه وأسلوبه. لذلك راجع أفكارك باستمرار، ولا تكن تحت تأثير أو سيطرة شخص ما، تعتنق ما يقوله من أفكار، بغير فحص... ويحدث هذا أيضًا من بعض المرشدين الروحيين، ومن يقومون بالتعليم. فكثيرًا ما يصير مريدوهم وتلامذتهم صورًا كربونية منهم، يقولون كما يقولون، ويفكرون بما يفكرون في اعتناق لكل أفكارهم مهما كانت خاطئة أو خطية. 7 – وقد تأتي الأفكار من الشيطان يلقبها في ذهن الإنسان ولو كاقتراح. وعلى الإنسان أن يميز، ليري هل هذا الفكر من الله أم من الشيطان؟ وإن لم تكن له موهبة الإفراز، يمكنه أن يستشير من له هذه الموهبة. إن الشيطان لا يرغم إنسانًا على قبول أفكاره، إنما هو يقدم عروضًا، ويقدمها في إغراء. وهكذا فعل مع أبوينا الأولين.. والإنسان الروحي يقاوم كل فكر ضد وصية الله.. وكما قال الرسول: "قاوموه راسخين في الإيمان" (1بط5: 9). |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الحرب والسقوط ليس كل فكر خاطئ يأتي إلى عقل الإنسان يعتبر خطية... فقد يكون مجرد حرب.. وهناك فارق بين الحرب، والسقوط. في الحرب الروحية، تكون هناك أفكار خاطئة تلح على عقل الإنسان إلحاحًا، وبشدة وربما لمدة طويلة وهو رافض لها، يقاومها بكل ما يستطيع من قدرة، ومع ذلك هي مستمرة وضاغطة. أما السقوط بالفكر، فهو قبول الفكر وعدم مقاومته، أو مقاومته بمقاومة شكلية ضعيفة، هي في الحقيقة مستسلمة وراضية!! وقبول الفكر الخاطئ نقول إنه خيانة لله؛ لأنه فتح أبواب القلب لأعداء الله، وقبلهم مكانه. ولأن الإنسان أثناء هذا الفكر يكون قد دنس هيكله المقدس؛ الذي هو أصلًا هيكلللروح القدس ( 1كو3: 16). وكأنه يطرد روح الله من قلبه، لأنه: "لا شركة للنور مع الظلمة" (2كو6: 14). وفي السقوط بالفكر، يكون الإنسان ملتذًا بالفكر، أو متعاونًا معه، ينميه ويقويه ويستديمه ويكمل عليه. ويكون هو والفكر شيئًا واحدًا، ولا يستطيع أن يميز في مجرى التفكير الخاطئ بين الفكر الذي بدأ كالحرب، والفكر الصادر من هذا الإنسان الساقط... من قلبه وعقله هو! وفكر السقوط قد يكون مصدره شهوة أو رغبة.. والشهوة والفكر يتبادلان الوضع كسبب ونتيجة... فالفكر الخاطئ تنتج عنه الشهوة والشهوة ينتج عنها الفكر الخاطئ. وكل منهما سبب للآخر أو نتيجة له، يقويان بعضهما البعض في خط واحد. وفي هذه الحالة يتعاون الفكر الذي من الخارج، مع الفكر الذي من الداخل. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
ما يساعد على السقوط بالفكر والسقوط بالفكر تساعد عليه أمور أخري منها الاسترخاء، والفراغ والضعف، والاستسلام، ومحبة الحكايات، والرغبة. 1 – فإن حورب الإنسان بفكر خاطئ، وبقي في حالة فراغ واسترخاء، لابد أن يشتد الفكر عليه، وقد يقوي بسهولة على إسقاطه. https://images.chjoy.com//uploads/im...d948150388.jpg لأنه في حالة الفراغ ينفرد الفكر بالإنسان، بلا مقاومة، وبلا دفاع. وقد قيل في الأمثال: "عقل الكسلان معمل للشيطان" وقيل عن هذه الحالة في الإنجيل إن الشيطان يأتي إلى هذا البيت، فيجده مزينًا مكنوسًا، فيذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أشر منه، فتدخل وتسكن هناك (لو11: 24، 25). لذلك احترس في قوت فراغك من الأفكار التي تأتي إليك.. والأفضل أنك لا تترك فكرك في حالة فراغ. إن العلق من طبيعته أنه دائمًا يعمل، وهو في انشغال مستمر، إما بأمور هامة، وإما بأمور تافهة... ولكنه لا يتوقف. 2 – ففي حالة الاسترخاء، قد يفكر في أي موضوع، وقد يعبر على عديد من القصص والأخبار والأفكار.. هنا قد يستغل العدو استرخاءه فيلقي إليه بفكر خطية أو بفكر يؤول إلى خطية.. دون أن يشعر. وهنا ينبغي أن يستيقظ الإنسان لنفسه، ويطرد هذا الفكر بسرعة، قبل أن يستقر ويستمر.. ويحسن في حالة الاسترخاء، أن تشغل نفسك بشيء هادئ بسيط، لا يقود إلى خطية. والاسترخاء معناه إراحة الأعصاب وليس معناه إلقاء النفس إلى الأفكار.. 3 – قلنا إنها تساعد على السقوط بالفكر أيضًا حالة الضعف الروحي، التي لا تقدر على المقاومة فتستسلم للأفكار. لذلك إن وجد الإنسان الروحي أنه في حالة ضعف، عليه أن يهتم بنفسه بالأكثر، ويكون في حالة حرص مشدودة، ويراقب نفسه بكل قوة، ويقدم لها في نفس الوقت كل الأغذية الروحية التي تقويها وتنتشلها من ضعفها. احترس جدًا من حالات الضعف، واهرب أثناءها من كل مسببات العثرات والأفكار.. ولعله عن أمثال هذه الحالة، قال الرب: "صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء، ولا في سبت" (مت24: 20).. " في شتاء" حسب الرمز – تعني فترة البرودة الروحية التي لا حرارة فيها. و" في سبت" أي فترة الراحة والاسترخاء... فكلًا الأمرين لهما خطورتهما. على أنني أقول لك في هذا: 4 – مهما كنت ضعيفًا، لا تستسلم. اثبت في قتالك مع عدو الخير، إلى أن تأتيك قوة من فوق، فتنتشلك مما أنت فيه، وتنتهر الشيطان من أجلك. وذلك كما حدث لهوشع الكاهن الذي بسببه قال ملاك الرب: " لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب... أليس هذا شعلة منتشلة من النار" (زك3: 2). والضعف ليس حجة للسقوط، إنما هو حجة لطلب المعونة، التي بها تقاوم الشيطان. أما كيف تقاوم الفكر، فهذا ما أريد أن أحداثك عنه في المقال المقبل.. 5- لا تكن في داخلك محبًا للحكايات الخاطئة. لأنك إن كنت هكذا، فستجد لذة في تأليف قصص خاطئة تؤذيك روحيًا، تشبع رغبات خاطئة داخل نفسك. وهنا تكون الخطية في داخلك، نابعة منك، من (مواهبك)! وكثيرون من هواه تأليف القصص! إما يبدأون بها، أو أن الشيطان يلقي إليها بفكر، فيؤلفون عليه حكايات طويلة لا تنتهي.. وتكون الأفكار مجرد عمل إرادي، لإشباع رغبات خاطئة... مثل فكر انتقام، أو زنا، أو أحلام يقظة... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أنواع حروب الفكر ثلاثة أنواع من الناس: ثلاثة أنواع من الناس تتعبهم الأفكار: 1 – النوع الذي من الناس تتعبهم الأفكار. 2 – والذي يعايش الفكر ويستبقيه. 3 – والنوع الخصب في خيالة، الذي يمكنه أن يؤلف أفكارًا وقصصًا. كل هؤلاء، إن كانت أفكارهم تحوم حول خطايا معينة، فلا شك أن الأفكار تستطيع أن تتعبهم جدًا، لأنها لا تجد في داخلهم مقاومة بل ترحيبًا. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الإنسان الذي يسعى وراء الفكر هذا لا تأتيه الأفكار وتتعبه، إنما هو الذي يتعب الأفكار! هو الذي يفتش عن مصادر الفكر، يسعي ليحصل على مادة للفكر. يرسل حواسه هنا وهناك، بقصد ونية، لكي تحصل له على مادة تغذي فكره، ويفرح بذلك جدًا ويشتهيه. هذا هو النوع المحب للاستطلاع، الذي يبحث عن أخبار الناس وأسرارهم. ويسره أن يتحدث في أمثال هذه الموضوعات، ويزيد على ما يسمع تعليقات واستنتاجات من ذهنه، وبخاصة في كل ما هو سيئ وشرير. وكل هذا يكتنز في ذهنه صورًا تؤذيه روحيًا... وهكذا يقع في نوعين من الخطايا: خطايا اللسان، وخطايا الفكر. وكل منهما يقوي الآخر ويسببه.. إن جلس هذا النوع مع أحد أصدقائه ومعارفه، يبادره على الفور: ماذا عندك من أخبار؟ ماذا حدث لفلان، وماذا حدث من فلان؟ ماذا رأيت وماذا سمعت؟ وما رأيك في كل هذا؟ وماذا تعرف أيضًا؟ ويظل ممسكًا بهذا الصديق، يستخرج كل ما عنده، مثل فلاح يحلب بقرة، ولا يترك ضرعها حتى يخرج كل ما فيه! وبهذا يضر نفسه، ويضر غيره، بما حواه الحديث من أسرار الناس. إنه يهوي معرفة أخبار الناس. وكل شخص يصادفه في الطريق، يحاول أن يصطاده منه خبرًا! وإن جلس إلى مائدة يأكل مع غيره، تجول عيناه ليعرف ما الذي يأكله فلان، وما طريقته في الأكل، وما الذي يحبه، وما الذي لا يستسيغه؟! وهكذا في باقي الأخبار، حتى في صميم الخصوصيات!! والعجيب في مثل هذا أنه: إن كان هناك شيء رديء يتهافت على سمعه. وإن وجد شيء حسن، لا يستقبله بحماس! إنه يجمع الأخبار والأسرار والأفكار. حواسه طائشة، يتعبها" الجولان في الأرض والتمشي فيها" (أي2: 2). وتسأله ما شأنك بهذا؟ أو ما الذي تستفيده؟ فلا تجد جوابًا. إنه مرض. يصبح عادة عند البعض، جزاءًا من طبعه! أتسأل مثل هذا: ما أسباب الفكر عنده؟ إنها عادته في محبة الاستطلاع. كم من أناس أضروا أنفسهم، وأضروا غيرهم بحب الاستطلاع، ومحاولة كشف كل ما هو مستور، وربما بحيل غير لائقة تشتمل على خطايا أخري كثيرة... ولكن لعلك تقول، ماذا أفعل إذا لم أكن أنا مصدر الفكر، وإنما أتاني من آخرين، ونت أنا الضحية؟ أقول لك: إن الفكر الخاطئ، لا يجوز لك أن تسمع عنه، أو تفكر فيه، أو تقرأ عنه، أو تكلم أحدًا في موضوعه. لا تعايشه على الإطلاق. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
لا تُعايِش الفكر فلا أنت تعيش معه، ولا تتركه يعيش فيك. بل اطرده بسرعة. لا تستبقه في ذهنك، ولا حتى في أذنيك. وابعد بكل جهدك عن الأشخاص الذين يسببون لك الفكر. وإن اضطررت إلى الاستماع إليهم، بسبب خارج عن إرادتك، فلا تنصب. واشغل نفسك أثناء الحديث بموضوع آخر. ولا تأخذ معهم ولا تعط أثناء عرضهم لكلام معثر.. وما اضطررت إلى سماعه من كلام خاطئ، لا تعاود التفكير فيه مرة أخري، فإن ذلك يثبته في عقلك الباطن. وأذكر باستمرار المزمور الأول الذي يأمرك بالبعد عن طريق الخطاة ومجالس المستهزئين. إذن لا تعايش الفكر ولا مسبباته.. أبعد عن الشخص الذي يصب في أذنيك أخبارًا تجلب أفكارًا، أو الذي يكون مجرد منظره أو حركاته أو أسلوبه مصدرًا للأفكار.؟ إن داود لما عايش مسببات الفكر سقط ليس في الفكر وحده، بل فيما هو أشد منه وأبشع. وكذلك كان الحال مع شمشون ومع غيرهما ممن كانوا أقوياء... وآخاب الملك ظل الفكر يتعبه من جهة حقل نابوت اليزرعيلي. وإذ استمرت معه الأفكار، واشتعل بخطية السطو على نصيب غيره، وإذ أضافت زوجته إيزابل وقودًا إلى هذا الاشتعال، تطور آخاب من مجرد الفكر، حتى وصل إلى القتل والسلب والظلم. واعرف أنك إن تهاونت في طرد الأفكار فقد تلد أفكارًا أخري، إذ لا يوجد فكر عقيم. قد يلد الفكر فكرًا من نوعه أو نوع آخر. وقد يل انفعالًا، أو شهوة أو مشاعر رديئة عديدة. وقد يلد خطايا كثيرة يصعب حصوها ويصعب طردها. ويصبح الفكر أبًا لعائلة كبيرة. إذن اطرده من أوله، قلب أن ينمو وينتشر في داخلك، وقبل أن يسيطر على إرادتك. واعرف أن طرد الفكر يكون سهلًا في أوله. ولكنه يصبح صعبًا إن استمر. إن الفكر الخاطئ يجس نبضك أولًا ليعرف مدي نقاوة قلبك، ومدي استعدادك الداخلي للتفاوض معه.. فإن رفضت التفاهم معه، يعرف أنك لست من النوع الرخيص السهل الذي يحب الأفكار، فيتركك. وإن حاول أن يستمر يكون ضعيفًا بسبب نقاوتك الداخلية. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أغلق أبوابك من الأفكار الخاطئة لذلك حذار أن تفتح بابًا للفكر. تفتح الباب له، معناه أنك بدأت تخضع له، وبدأت تحب به وتخون سيدك... بل عليك أن تتذكر ما قيل عن عذراء النشيد: " اختى العروس جنة مغلقة، ينبوع مختوم" (نش4: 12). إنها مغلقة أمام كل فكر شرير يطرق باب الذهن ، وأمام كل شهوة خاطئة تطرق باب القلب... لا تفتح بابها لكل أحد. بل لا تفتح إلا لكل فكر مقدس طاهر.. أما من جهة الأفكار الخاطئة، فإن الملائكة تغني لهذه النفس قائلة: "سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون، لأنه قوي مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك" (مز147: 12، 13). هذه البواب المغلقة هي أبواب النفس الأبية التي لا تفتح لكل طارق من الأفكار العدو. بل هي نفس مخلصة لربها. لذلك بارك بنيها فيها، بنيها المولودين فيها من الروح القدس، أي المشاعر المقدسة. أغلق أبوابك أمام الفكر الخاطئ، لأنه لا يستريح حتى يكمل. الفكر هو مجرد خادم مطيع ترسله الشهوة ليمهد الطريق أمامها. من الصعب أن يبقي الفكر فكرًا، دون أن يتطور إلى ما هو أخطر. الفكر إذن هو مجرد مرحلة في حروب العدو. فاحترس منه جدًا، حتى لا يقودك سهلًا إلى مرحلة أخري لا تدري مدي خطورتها. الفكر يتطور في تنقلاته، من الحواس إلى الذهن، إلى القلب، إلى الإرادة. إذا استبقيت الفكر في أذنيك ولو قليلًا، يزحف إلى عقلك، وهنا قد يتناوله الخيال فيلد منه أبناء عديدين، وينمو الفكر داخلك، حتى يصل إلى قلبك وإلى مشاعرك وعواطفك وغرائزك وشهواتك. وهنا تكون الحرب قد وصلت إلى قمتها... إذن بتداولك مع الفكر، يأخذ سلطانًا عليك، لأنه أصبح داخلك. اجتاز حصونك، وصار داخل المدينة مختلطًا بأهلها!! ما أخطر هذه المرحلة عليك! إنه في هذه الحالة يكون قلبك هو الذي يحاربك، أو تكون لك حربان داخلية وخارجية، والداخلية أصعب. ويكون وصول الفكر إلى قلبك هو أقصي ما يتمناه. وحينئذ يجتمع أولاده حوله ضدك. وأولاده هم شهوات القلب. فإن سقط القلب في يد الفكر، تسقط بالتالي الإرادة بسهولة، إذ يضغط القلب عليها. الإرادة تكون قوية، حينما يكون القلب قويًا، وحينما يكون الفكر في الخارج. ولكن حينما يضعف القلب، تضعف الإرادة تلقائيًا. وإن لم تفتقدها النعمة بقوة من فوق، ما أسهل أن تستسلم وتسقط في خطية عملية. إذن أغلق أبوابك من بادئ الأمر، حتى لا تتطور إلى مراحل خطرة. قال القديس دوروثيئوس: [من السهل أن تقلع عشبه صغيرة، ولكن إن أهملتها حتى تصير سنديانة ضخمة حينئذ يكون من الصعب عليك اقتلاعها]. لذلك اقتلع الأفكار من أول خطوة تخطوها إليك، وما أجمل ما قيل عن ذاك في المزمور: "طوبي لمن يسمك أطفالك، ويدفنهم عند الصخرة" (مز137: 9). أي يسمك الخطايا وهي أطفال، وهي أفكار، قبل أن تنمو، ويدفنها عند الصخرة، والصخر كانت المسيح (1كو10: 4). |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
مضار استبقاء الفكر قلنا إن الفكر إذا لم يطرده الإنسان بسرعة، يتقوى عليه، ويصبح داخله ويصل إلى القلب وإلى الإرادة، ويتعب النفس، ويصبح مادة لأفكار أخري ولخطايا أخري... وحتى إن أمكن للإنسان أن ينتصر بعد كفاح مرير، فإن الحرب لابد ستطول. وطول هذه الحرب الروحية ينهك الإنسان، الذي ربما يصبح قريبًا من اليأس والاستسلام، لأنه يكون قد بدأ يشعر بضعفه أمام الفكر. وطول فترة القتال مع الفكر، قد يثبته في العقل الباطن. ويضيف إلي ذاكره الإنسان صورًا ما كان يود أن تضاف إلى ذاكرته، لئلا تصبح في المستقبل مصدرًا لأفكار أخري ولشهوات وأحلام وظنون. وحتى إن انتصر الإنسان أخيرًا، يكون عقله قد اتسخ أثناء القتال. إذ أتيح للفكر أن يصب فيه قتالات وتأثيرات ومشاعر، كما أن الفكر في فترة بقائه يكون قد دغدغ الحواس وترك تأثيره على القلب وعلى الجسد أيضًا. وكمثال للتأثير على الجسد: إنسان ذكره العدو بمشاجرة بينه وبين شخص آخر، فتهاون في طرد الفكر، حتى بدأ يتذكر تفاصيل المشاجرة كلها، في ذلك يجد نفسه قد عاد إلى الغضب، يجد جسده قد سخن، اندفعت الدماء إلى عروقه، واحمرت عيناه، واكفهرت ملامحه، وبدأ يفكر كيف ينتقم لنفسه. انظر إلى داود النبي يحكى ضغطات الأفكار فيقول: " إلى متى يا رب تنساني، إلى الانقضاء؟ حتى متى تحجب وجهك عني إلى متي أردد هذه المشورات في نفسي، وهذه الأوجاع في قلبي النهار كله؟ إلى متى يرتفع عدوي على... أنر عيني لئلا أنام نوم الوفاة، لئلا يقول عدوي قد قويت عليه" (مز12). إذن اهرب من الفكر ولا تسبقيه، فأنت لا تعرف إلى أين يقودك، وإلى أين ينتهي... والهروب أيضًا فيه أتضاع قلب، والاتضاع هو أكبر سلاح لهزيمة الشيطان، أما الذي يعتد بقوته، وبقدرته على قتال الأفكار، فقد تتخلي عنه النعمة قليلًا، حتى إذا ما دخل في الحرب الروحية وعنفها حينئذ لا يدعي القوة مرة أخري، ويعتمد على الله أكثر مما يعتمد على إرادته الخاصة وصمودها وقوتها. لهذا كثيرًا ما يسمح الله بالحروب، لكي يقتني الإنسان الاتضاع. لا شيء يغيظ الشيطان، قدر رفضك للتفاوض معه.. لقد كان تفاوض حواء مع الحية، هو أول خطوة في السقوط، واستطاع الشيطان في حديثه معها، أن يتولي توجيه فكرها وحواسها، وصارت لعبة في يديه وتحت قيادته وتأثيره. إنك بالتفاوض مع الفكر الشرير إنما تدخل نفسك في دائرته. على الأقل يشعر أنه لا مانع لديك من التفاهم معه، وكم من علاقة خاطئة بدأت بالجدل أو بالمقاومة، وانتهت إلى الاستسلام، أما رفض التفاهم مع الفكر، فهو طرد صريح له من بادئ الأمر، وعدم إعطائه فرصة لتجربة تأثيره. أنت قد تدخل الفكر إليك، ثم لا تعرف كيف تخرجه... لذلك فإن رفضه، وعدم معايشته، هو حل سليم لا نقاش فيه. ذلك أن استبقاء الفكر، قد يؤدي إلى سيطرته، وإذا استمر فترة طويلة فقد يؤدى إلى حالة من العبودية. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
العبودية للفكر إذا سيطر الفكر على الإنسان، ليس فقط يقوده، ليس فقط يقوده إلى السقوط، إنما بالأكثر إلى الخضوع الدائم للفكر، والاستبعاد له. إن شعر الفكر انه وصل إلى القلب وإن الإنسان أصبح يريده، لذلك لا مانع من أن يطرقه باستمرار. فيستمر الفكر أيامًا أو أسابيع في ذهن هذا الإنسان المستعبد له.. وفي كل حين يضيف إليه شيئًا جديدًا ويبقي معه باستمرار، يطرد منه كل فكر خير، ينام والفكر في ذهنه، ويصحو والفكر في ذهنه، ويمشي ويعمل والفكر قائم. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الانتصار على الفكر أول الوسائل، ذلك المثل القائل: الوقاية خير من العلاج.. لا تأخذ باستمرار موقف المدافع، فإنك في دفاعك قد تنتصر حينًا، وتنهزم حينًا آخر. إنما خذ موقف الحصانة الداخلية، بالعمل الروي الإيجابي الذي يحصن قلبك ضد الأفكار. ليكن لك برنامج روحي قوي مستمر من صلوات ومزامير، وقراءات روحية وتأملات، وتراتيل وألحان، واجتماعات روحية، وصداقات روحية، وغذاء روحي دائم يملأ القلب بمشاعر نقية وحينئذ ينطبق عليك قول الرب: " الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر" (لو6: 45). إذن قلبك هو منبع الأفكار، إن كانت مشاعره روحية تخرج منه أفكار روحية، وإن أتته أفكار شريرة من الخارج، يرفضها. فلنهتم إذن بالقلب وخزينة الروحي بدلًا من أن نقضي الحياة الروحية صراعًا مع الأفكار. وثق إنك إن كنت مشغولًا باستمرار بفكر روحي نقي، فإن الأفكار الشريرة لن تجد لها مكانًا فيك، ولن تعوزك إطلاقًا إلى القتال معها. لذلك غالبًا ما نجد الأفكار الشريرة تتعب الإنسان في فترات فتوره. وإذن قلبك هو منبع الأفكار، إن كانت مشاعره روحية تخرج منه أفكار روحية، وإن أتته أفكار شريرة من الخارج، يرفضها. فلنهتم إذن بالقلب وخزينة الروحي بدلًا من أن نقضي الحياة الروحية صراعًا مع الأفكار. وثق أنك إن كنت مشغولًا باستمرار بفكر روحي نقي، فإن الأفكار الشريرة لن تجد لها مكانًا فيك، ولن عوزك إطلاقًا إلى القتال معها. لذلك غالبًا ما نجد الأفكار الشريرة تتعب الإنسان في فترات فتوره. وإذ يكون فكرة خاليًا من العمل الروحي، يأتي الشيطان ويعيش فيه. أما إن كان منشغلًا بصلاة، أو قراءة روحية، أو تأمل روحي، فإن الأفكار لا تقدر عليه. ولعلك هنا تسأل: هل الأفكار لا تحارب الإنسان في حالة نشاطه الروحي؟ أقول إنها تحاربه، ولكنها لا تقدر عليه، ولا تتعبه. فالأفكار حاربت القديسين، ولكنها لم تتعبهم ولم تهزمهم، بل قالوا مع القديس بولس: "مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح" (2كو10: 5). والانشغال الروحي يطرد الأفكار، بشرط أنه يكون انشغالًا بعمق. فالقراءة السطحية، والصلاة غير العميقة، قد لا تطرد الأفكار، ومن هنا كان البعض يسرح أثناء صلاته، في أي فكر. عيشوا في عمق روحي، تهرب الأفكار منكم، بنعمة الرب.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
مهاجمة المظاهر الخارجية في العهدين لقد هاجم السيد المسيح محبة المظاهر الخارجية. وذلك في توبيخه الكتبة والفريسيين المرائين،" لأنكم – الكتبة والفريسيون المراؤون – تنقون خارج الكأس والصحفة، وهما من داخل مملآن اختطافا ودعارة". وقال لهم أيضًا: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ." (إنجيل متى 23: 27). ونفس الوضع كان في العهد القديم. إذ أنه لم يقبل المظاهر الدينية من اليهود، كالاحتفالات بأوائل الشهور والأصوام والصلوات والبخور والذبائح، مع عدم نقاوة القلب..! فقيل في سفر إشعياء: "لماذا لي كثرة ذبائحكم – يقول الرب -... لا تعودوا تأتون بتقدمه باطلة. البخور هو مكرهة لي... رؤس شهوركم وأعيادكم أبغضتها نفسي. صارت على ثقلًا. مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم، أستر عيني عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع... أيديكم ملآنة دمًا" (إش1: 11 – 15). إن الله يهمه القلب قبل كل شيء، وليس المظاهر الخارجية. ولذلك فإنه قال،" فوق كل تحفظ قلبك، لن منه مخارج الحياة" (أم4: 23) وقال أيضًا: "يا ابني أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي" (أم23: 26). فالفضائل التي لا تنبع من القلب ومن الحب، مرفوضة من الله.. لأن الله لا يحب المظاهر الخارجية. إنه يريد حقيقة الإنسان من الداخل. يريد مشاعره وعواطفه ومحبته، وليس مجرد عمل خارجي لا قيمة له. الصلاة من قلب نقي، أو من قلب منسحق، هي صلاة مقبولة. أما صلاة الأشرار فمرفوضة. لهذا قبل الله صلاة العشار، ولم يقبل صلاة الفريسي الممزوجة بالكبرياء والافتخار وإدانة الآخرين. كذلك لم يقبل صلوات هؤلاء الذين قال لهم: "أيديكم ملآنة دمًا" (إش1: 15) كما أن الكتاب قال في وضوح: "ذبيحة الأشرار مكرهة للرب" (أم15: 8)" ذبيحة الشرير مكرهة، فكم بالحري حين يقدمها بغش" (أم21: 27). وقال أيضًا: "من يحول أذنه عن سماع الشريعة، فصلاته أيضًا مكرهة" (أم28: 9). لذلك ينبغي التركيز على النقاوة الداخلية، التي هي المصدر الحقيقي لكل نقاوة من الخارج. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
النقاوة الداخلية وليس الخارجية أحيانًا بعض الوعاظ والخدام والمربين، يهتمون كل الاهتمام بالنقاوة الخارجية فقط، ويركزون عليها. فبالنسبة إلى الفتاة مثلًا: يهتمون بمظهرها.. هل تتفق ملابسها وقواعد الحشمة؟ هل هي تسرف في زيتنها؟ ويركزون عظاتهم على هذه السلبيات.. ويتركون الباعث الداخلي الذي يكمن في القلب، وراء عدم الحشمة! والمفروض أن يكون التركيز على الداخل: على محبة الله، ومحبة الفضيلة، ونقاوة القلب. وإذا صار القلب نقيًا من الداخل، وتخلص من المشاعر التي تدفع الفتاة إلى التبرج في زينتها، حينئذ هي نفسها، من تلقاء ذاتها ستتخلى عن كل هذه المظهريات. إن التوبيخ والعنف والضغط، ليست هي الأمور التي تصلح. ربما تقدم مجرد مظهر خارجي. ويبقي القلب في الداخل كما هو، بنفس رغباته وشهواته. وربما يضاف إليه التذمر والكبت والضيق.. أما إذا تنقي القلب ÷ فإنه حينئذ سينفذ كل تلك النصائح برضي واستماع، وبدرجة أرقي من الناحية الروحية. وبالمثل مع الشاب الذي يطيل شعره، ويلبس ملابس غير لائقة به كشاب متدين.. يحتاج أن يعرف ما هي معاني الرجولة؟ وما هي مظاهر قوة الشخصية؟ وكيف يمكنه أن يكتسب احترام الآخرين؟ بالإضافة إلى نقاوة القلب. فإن اقتنع بكل هذا لابد سيترك كل تلك الأخطاء بدون توبيخ، وبدون قهر.. ليس المهم أن ننظف خارج الكأس، بينما الداخل كله نجاسة: إن الإصلاح من الداخل هو أكثر ثباتًا ورسوخًا في النفس: وبه ينصلح الإنسان بطريقة حقيقية، ولا يكون واقعًا في تناقض ما بين داخلة وخارجه. كما أنه لا يكون تحت ضغط، بحيث يتلمس ظروفًا للانفلات من هذا القهر الخارجي!! فلنبحث إذن عن الأسباب الداخلية التي تؤدى إلى الخطأ الخارجي، ونعالجها: خذوا الكذب مثلًا، كظاهرة: الشخص الذي يكذب، هل ستصلحه عظات عن الكذب؟ أو توبيخ له على كذبه؟ أم أن الأعمق تأثيرًا عليه وإصلاحًا له، هو البحث عن الأسباب التي تجعله يكذب: هل هي الخوف من انكشاف شيء؟ أو الرغبة في الحصول على منفعة معينة؟ أو القصد من الكذب هو التباهي؟ أو التخلص من الإحراج؟ أو السبب هو الخجل؟ أم هي قد أصبحت عادة، بحيث يكذب بلا سبب؟ أم هو يكذب بقصد الفكاهة، أو بقصد الإغاظة؟ أو التلذذ بالتهكم على الناس؟!! نبحث عن سبب الكذب، ونعالجه ونقنع صاحبه بعدم جدواه. ونقدم له حلولًا عملية للتخلص من كذبه، أو بدائل لا خطأ فيها.. كالصمت أحيانًا، أو الهرب من الإجابة بطريقة ما، أو الرد على سؤال بسؤال، أو الاعتذار من خطا بدلًا من تغطية بالكذب، وكذلك الاقتناع بخطأ التباهي، وخطأ التهكم على الناس. مع الاقتناع أيضًا بكسب ثقة الناس واحترامهم بأسلوب الصدق. وهكذا نعالج الداخل، فيزول الخطأ الخارجي تلقائيًا، كنتيجة طبيعية.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
لا نهمل نقاوة الخارج ليس الاهتمام بالداخل، معناه أننا لا نهتم بأعمالنا الخارجية... فالمفروض أن نكون قدوة. كما أن أخطاءنا الخارجية قد تعثر الآخرين. وفي هذا قال السيد الرب: " فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت5: 16) وواضح من هذه الآية أن الغرض هو تمجيد الله، وليس تمجيد الذات. وقيل أيضًا: https://st-takla.org/Pix/Things-Tool-...uble-Scale.jpg " معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس" (رو12: 17). لأنه هكذا ينبغي أن يكون أولاد الله. وكما قال القديس يوحنا الحبيب: "كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية.. بهذا أولاد ظاهرون.." (1يو3: 9، 10) ومن جهة العثرات، قال السيد الرب: "ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة" (مت18: 7). فالمفروض أن يسلك الإنسان من الخارج سلوكًا حسنًا مع اعتبارين: 1 – أن يكون ذلك لتمجيد الله، وليس لتمجيد ذاته. 2 – إن يكون السلوك الخارجي طبيعيًا، نابعًا من نقاوة القلب الداخلية. وإن كنت لم تصل بعد إلى نقاوة القلب الداخلية، فاغصِب نفسك على ذلك. حقًا أنه من فضلة القلب يتكلم اللسان. فإن كانت مشاعر قلبك لم تنتق بعد من جهة بعض الناس، فليس معني هذا أن تخطئ إليهم بلسانك، لكي يكون لسانك وقلبك في خط واحد! كلا. بل احترس بلسانك حتى لا تخسرهم. ثم بعد ذلك عود قلبك أن يكون مثل لسانك في كلامه الطيب. وهنا يكون التغصب والرغبة في كسب الناس باحترامهم ومحبتهم، من الاعتبارات التي تضاف إلى وجوب السلوك الخارجي الحسن. ولا يعتبر هذا لونًا من الرياء، إنما يكون في هذه الحالات لونًا من ضبط النفس. وضبط النفس من الخارج لازم ومطلوب. ويدخل في نطاق التدريبات الروحية التي يصل بها الإنسان إلى حياة النقاوة. إذن نظف الداخل ليتفق مع الوضع الخارجي السليم. ولا تهبط بالخارج إلى مستوي الداخل، إن كان داخلك غير سليم.. المفروض أن تكون نقيًا من الداخل ومن الخارج، فحاول أن تصل إلى الأمرين معًا. وإن بدأت بأحدهما، أكمل بالآخر أيضًا. واحتراسك الخارجي ممدوح. ولكن لا تكن مكتفيًا به، بل أضف إليه النقاوة الداخلية. وليكن هذا هو تدريبك في كل الفضائل. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
تداريب على الفضائل خذ مثالًا هو الصوم، من جهة السلوك الخارجي، والعمل الداخلي. ليس الصوم هو مجرد فضيلة خارجية خاصة بالجسد وحده. كأن يمتنع الجسد عن تناول ما يشتهيه من الطعام، مع قهر نفسه على الانقطاع كليه عن الطعام فترة معينة، إنما ينبغي أيضًا أن يمنع نفسه عن الأخطاء. ويتمشى منع النفس مع منع الجسد. فإن كان لم يصل إلى هذا المستوي الروحي في داخله فليس معني هذا أن يكسر صومه ويفطر! وإلا يكون قد انحل جسدًا وروحًا! بل عليه أن يدرب قلبه من الداخل، ليتمشى مع صوم الجسد من الخارج، ولو بالجهد وبالوقت وبالتدريب، إلى أن يصل بنعمة الرب. وبهذا يمكننا أن نضع قاعدة روحية للتوازن بين المستويين الداخلي والخارجي، وهي هذا: إن كان أحد المستويين مرتفعًا، والآخر منخفضًا، فأرفع المنخفض إلى مستوي المرتفع. ولكن لا تكتف مطلقًا بأن تسلك حسنًا من الخارج. فالله ينظر إلى قلب. إنما جاهد باستمرار أن تنقي قلبك، وأن يكون كل سلوكك الخارجي السليم مجرد تمهيد أو تدريب للعمل الجواني. وكثيرًا ما تكون التنقية الخارجية وسيلة للتنقية الداخلية.. مثال ذلك شاب، تحاربه في داخله أفكار شهوانية جسدية ومشاعر نجسه لا تتفق مع حياة العفة، وربما تسبب له أحلامًا دنسة تتعبه.. أتراه يستطيع أن يسلك من الخارج هكذا، ليكون خارجه تمامًا كداخله؟! كلا بلا شك، وإلا فإنه يضيع نفسه، ويضيف إلى خطايا الفكر والقلب، خطايا العمل والحس والجسد! مثل هذا، عليه أن يحترس جدًا من الخارج. وهذا الاحتراس الخارجي يساعده على النقاوة الداخلية، مع عدم الاكتفاء بالحرص الخارجي.. لذلك لا تيأس مطلقًا. ولا تقل: ما فائدة النقاوة الخارجية، إن كنت في داخلي دنسًا؟! وما فائدة عفة الجسد، إن كانت روحي زانية؟! هذه حرب من الشيطان ليوقعك في اليأس وفي الخطية. إن صمودك الخارجي يعني رفضك للخطية. أضف إليه صمودًا آخر ضد الأفكار. وثق أن الله لابد سيرسل نعمته لمعونتك... ومن أجل أمانتك من الخارج، سيعينك الله من الداخل، مادمت تطلبه وتستغيث به. كن أمينًا في هذا القليل الذي هو الخارج، فيقيمك الله على الكثير الذي هو النقاوة الداخلية. ولكن في نفس الوقت لا تهمل الوقت داخلك، فالله يريد القلب. جاهد في داخلك، أيضًا.. ادخل في حرب الأفكار في الداخل، كما انتصرت في حرب الجسد والحواس من الخارج.. وسيتعاون الأمران معًا. احتراسك من الخارج، سيمنع عنك حروبًا داخلية كثيرة. وعلى الأقل سوف لا تحارب في ميدانين في وقت واحد. وحرصك الخارجي سيدخل عنصر الحصر في حياتك، ويدربك على الحرص من الداخل أيضًا. ثم يضاف إليها معونة تأتيك من فوق، يرسلها الله مكافأة على أمانتك... إن الأشخاص المبتدئين، قد يكتفون بالانتصار في الحروب الخارجية، لكنهم يتدرجون بعد ذلك إلى الدخول في الحروب الداخلية وهي أصعب ولكنها أعمق جدًا، وتوصل إلى نقاوة القلب والفكر. وبذلك يصبح القلب مسكنًا لله. ونقاوة القلب تعني رفضه للخطية وكراهيته لها. والوصول إلى ذلك يساعده تمامًا في الانتصار على الحروب الخارجية، إذ لم يعد لها سلطان عليه. حتى إن جاءته الخطية في حلم، وهو ليس في وعيه، يكون عقله الباطن متنبهًا لها تمامًا، ورافضًا لها. وهكذا لا يمكن أن يخطئ في أحلامه، لأن قلبه وعقله يرفضانها. وإن حدث أن الخطية ضغطت عليه جدًا في حم، بإلحاح شديد للتنفيذ، لابد حينئذ سيسقط، لأن قلبه يرفض أن يخطئ. وينطبق عليه قول الرسول: "ولا يستطيع أن يخطئ" ( 1يو3: 9). ويبرر الرسول ذلك بقوله: "لأن زرعه يثبت فيه" ويقول عنه أيضًا أنه" يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1يو5: 18). هذا من الناحية السلبية، من جهة الخطية. فماذا أيضًا من الناحية الإيجابية؟ نقول: إذا تنقي القلب، تكون كل أعماله الفاضلة دوافعها روحية، ومن أجل الله وحده.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
من أجل الله وليس الناس وأيضًا من أجل الله، وليس من أجل الذات. فلا يكون فعله للخير، من أجل أن تكبر ذاته في عينيه، أو من أجل أن تكبر ذاته في أعين الناس... وكلا الأمرين يدخلان في نطاق خطية المجد الباطل التي تدفع إلى خطية الرياء.. وما أد قول السيد المسح عن ذلك في حديثه عن الكتبة والفريسيين: " وكل أعمالهم يعملونها، لكي تنظرهم الناس" (مت23: 5). وهنا يدخلون في خطية محبة المظاهر الخارجية. ويكون الخير الذي يفعلونه ليس خيرًا حقيقيًا، إذ قد امتزج بمحبة الذات، ومحبة المجد الباطل، ولا يكون هدفه نقيًا. ليس هدفه محبة الله، ولا محبة الخير، وليس مقصودًا لذاته، وليس صادرًا عن طبيعة نقيه. وهنا يسأل البعض: هل معني هذا أننا لا نفعل الخير أبدًا أمام الناس؟ حتى لا ينظروننا وحتى لا يأتينا مديح منهم بسبب ذلك!! كلا طبعًا، فالكتاب: "معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس" (رو12: 17). ومن جهة المديح، كان الرسل والقديسون جميعًا يُقابَلون بمديح من الناس. ومازال المديح يلاحقهم حتى بعد موتهم. ولم يكن في ذلك خطية. ومن غير المعقول أن يتوقف البار عن عمل الخير تمامًا، لكي ينجو من مديح الناس!! إذن كيف نوفِق بين كل هذا، وبين الوصايا الخاصة بعمل الخير في الخفاء!! هوذا الرب يقول: "متى صليت، فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك، وصل إلى أبيك الذي في الخفاء. وأبوك الذي يري في الخفاء. وأبوك الذي يرى في الخفاء، يجازيك علانية" (مت6: 6)، وقوله أيضًا: "متى صنعت صدقة، فلا تعرف، شمالك ما تفعله يمينك" (مت6: 3) وقوله أيضًا:".. لكي لا تظهر للناس صائمًا، بل لأبيك الذي في الخفاء" ( مت6: 18). وللتوفيق بين كل ذلك أقول لك: 1 – على قدر إمكانك أعمل الخير في الخفاء. ولكنك في أحوالك كثيرة قد لا تستطيع. فأن أمام الناس تذهب إلى الكنيسة وتصلي، وتواظب على الاجتماعات، ويرونك وأنت تتناول باستمرار، وتصوم كل الأصوام الكنيسة. وخدمتك معروفة في الكنيسة، وربما عطاياك للفقراء تصير معروفة، مثل عطايا الأنبا إبرام أسقف الفيوم، والأرخن إبراهيم الجوهري، والأنبا صرابامون أبو طرحة. فما هو الحل أمام هذه المعرفة؟ 2 – ليست خطيئة أن يعرف الناس ما تفعله من خير، إنما الخطيئة هي أن يكون الهدف من عمل الخير هو أن يراه الناس ويمدحوه..!! وهذا ما عناه السيد المسيح بقوله: "متى صنعت صدقه، فلا تصوت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون في المجامع وفي الأزقة، لكي يمجدوا من الناس" (مت6: 20). وأيضًا قوله: "فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع، لكي يظهروا للناس" (مت6: 5). وأيضًا" فإنهم يغيرون وجوههم، لكي يظهروا للناس صائمين" (مت6: 16). واضح هنا أن الهدف هو أن يظهروا للناس، ولكي يمجدوا من الناس.. هنا المظهرية، أو محبة المظاهر الخارجية. فإن كنت تفعل الخير، وقلبك نقي من محبة المظاهر، وليس هدفك أن يراك الناس، بل تهرب من هذا.. إذن لا يهمك مطلقًا أن يعرف الناس أنك فعلت ذلك. 3 – اهرب من معرفة الناس.. فإن عرفوا، لا تجعل ذلك يؤثر على قلبك. انسه ولا تهتم. القديس بولس الرسول قال عن خدمته وخدمة معاونية: "بصيت حسن، وصيت رديء" "بمجد وهوان" (2كو6: 8). ولم يرتفع قلبه بالمجد ولا بالصيت الحسن. والقديس مقاريوس الكبير قال: كن كالميت الذي لا يبالي بكرامة ولا بهوان. 4 – إن وصل المديح إلى أذنك، لا تدخله إلى قلبك. بل تذكر ضعفاتك وخطاياك، لكي تغطي عليه. 5 – وهناك أمور تستطيع أن تخفيها حتى في أعمالك الظاهرة. فقد يعرف الناس أنك صائم، ولكنك بقدر إمكانك تخفي عنهم درجة صومك، من جهة موعد انقطاعك والأصناف التي تأكلها. فإن عرف البعض شيئًا منها، لا تجعل الكل يعرفون. وبالمثل في العطاء، قد يعرفون أنك تعطي، ولا يعرفون كل ما تعطي... وقد يعرف البعض أنك تصلي، ولكنهم لا يعرفون حالة قلبك في الصلاة. وقد يعرف البعض أحيانًا بالنسبة إلى الصلوات العامة، كصلوات الكهنة في القداسات. ونصيحتي في هذا الأمر أن ينسى الكاهن تمامًا شعبًا يسمعونه. ويركز فقط إنه قائم أمام الله، وأنه يخاطب الله وحده سواء سمعه الناس أم لم يسمعوه... فإن جعل في ذهنه أن يعجب الناس بصلاته، يكون قد وقع في محبة المظاهر؟ ولا تكون الصلاة هنا موجهة إلى الله، وإنما موجهة إلى الناس، من أجل الذات! كذلك إن قام الكاهن بأنشطة كثيرة ووضع في نفسه أن يعجب بها الناس، وليس أن يخدم بها الملكوت. وهنا يكون قد وقع في المظهرية، ويزيد الأمور سوءًا، إن كانت مجرد أنشطة ومشروعات، ولا نصيب للروح فيها.. وبعد، يخيل إلى أننا لابد أن نلتقي حول هذا الموضوع مرة أخري لتكميله، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أخطار اللسان اللسان سيف ذو حدين، يمكن أن يستخدم في الخير، كما يمكن أن يستخدم في الشر ولهذا قال الكتاب: "بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان" (مت12: 37). وقد قال الرب للعبد البطال: " من فمك أدينك أيها العبد الشرير" (لو19: 22). وداود النبي قال للغلام الذي بشره بموت شاول الملك: "فمك شهد عليك" (2صم1: 16) ولما تكلم بطرس قالوا له: "لعنتك تظهرك". وقال الرب في خطورة الكلام البطال: "كل كلمة بطالة تكلم بها الناس، سوف يعطون عنها حسابًا في يوم الدين" (مت12: 36). والمقصود بالكلمة البطالة، ليس فقط الكلمة الشريرة، إنما أيضًا الكلمة التي بلا منفعة. ذلك لأن الله لم يخلق اللسان عبثًا، وإنما خلقه لفائدة، إن لم يؤدها يكون طاقة معطلة. فليس كل فضل اللسان أنه يخطئ. بل لابد أن يكون له عمل إيجابي. لأنه هل من المعقول أن توجد آله، كل فائدتها أنها لا تضر أحدًا؟! أم لابد أن يكون لها إنتاج مفيد؟ هكذا اللسان.. لذلك فالثرثرة إحدى خطايا اللسان. لأنها استخدام للسان بطريقة خاطئة، وربما بطريقة مزعجة. ولأنها أيضًا إضاعة لوقت السامع، ولوقت المتكلم كذلك.. ولأن اللسان قد ينفع وقد يضر، لذلك يتعجب الرسول قائلًا: "ألعل ينبوع ينبع من نفس عين واحدة: العذب والمر؟!" (يع3: 11). وخطورة اللسان يشرحها القديس يعقوب الرسول باستفاضة، بقوله: "إن كان أحد لا يعثر في الكلام، فذاك رجل كامل، قادر أن يلجم كل الجسد أيضًا" (يع3: 3). ويقول فيه أيضًا -هكذا اللسان- هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا. هوذا نار قليلة أي وقود تحرق. فاللسان نار، عالم الإثم.. يدنس الجسم كله، ويضرم دائرة الكون، ويضرم من جهنم (يع3: 5، 6). وفي خطورة اللسان، أعتبرت خطيئته دنسًا، وأعتبرت أيضًا نجاسة: وفي هذا قال السيد المسيح أيضًا عن نجاسة اللسان: "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم، هذا ينجس الإنسان" (مت15: 11). إذن النجاسة ليست هي خطايا الزنا مثلًا، بل أيضًا خطايا اللسان! وهذا يعطى خطايا اللسان خطورة: ولهذا وصفها القديس يعقوب الرسول بأنها سم مميت، وشر لا يضبط وعالم الإثم، وتدنس الجسد كله، وتضرم من جهنم... |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
أخطاء اللسان ما أكثر الأخطاء والخطايا التي يقع فيها اللسان. من الصعب حصرها. منها خطايا الكبرياء: مثل الافتخار، وتبرير الذات، ويدخل فيها العناد، -المقاوحة- ومقاطعة الآخرين أثناء كلامهم، ليتكلم هو الحديث بغطرسة. من أخطاء اللسان، خطايا الكذب: مثل الكذب الصريح، والمبالغة، وأنصاف الحقائق، والغش، والخداع، والتضليل، والتلفيق، وشهادة الزور، والمغالطة والمكر. كذلك توجد أخطاء للسان ضد المحبة. مثل كلام الشتيمة، والنرفزة، والسب واللعن، وإدانة الآخرين، وتحقيرهم. والتهكم عليهم، ومسك سيرتهم، والغيبة، والنميمة، والدسيسة. كذلك ألفاظ التهديد، والتعيير وإفشاء أسرار الناس، والتشهير بهم، وإلقاء المسئولية عليهم والهروب من المسئولية ونشر الشائعات. ومن هذه أيضًا: خطايا القسوة: ومنها الكلام الجارح الموجع الذي لا يبالي فيه قائله بمشاعر من يتحدث إليه. وكذلك ألفاظ التهديد والتخويف، وما إلى ذلك. ومن خطايا اللسان: عدم العفة: مثل القصص البطالة، والفكاهات الماجنة، والأغاني العابثة، والعبارات الجنسية، وكل كلام الأغراء، والكلام المكشوف، والأسلوب غير المهذب، والأسلوب الوقح، وما تستحي الأذن الحسنة المحتشمة من سماعه. كذلك توجد أخطاء للسان في العقيدة. مثل كلام التجديف، ونشر الشكوك في الدين والعقيدة، ونشر البدع والهرطقات وإعثار العرفين بها، واستخدم اسم الله باطلًا، وتشويه الفكر بالخرافات. وهناك أخطاء هي صغر نفس: مثل كلام التملق، والمديح الزائف، ومجاراة المخطئين في أخطائهم. والسلوك بلسانين، ومع كل ريح، والنفاق، والرياء، وكثرة الشكوى والتذمر، وعبارات الخوف واليأس.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
خطايا اللسان تشبه خطايا اللسان، خطايا أخري تنضم إلى الموضوع، وإن لم تكن خطايا لسان بالمعنى الحرفي للكلمة.. ونعني بها الألفاظ، التي قد لا يلفظها الإنسان بشفتيه، ولكنه يلفظها على ورق مكتوب، أو على ورق مطبوع. إنها نفس الخطايا، ونفس تكون أكثر بشاعة من خطايا اللسان. لأن الذي يسجل على نفسه كتابة أو طباعة من هذا النوع إنما يدل على استهانته بمسئولية هذه الألفاظ..! وعلى كل فالخطية هي نفي الخطية. سيان أن تشتم إنسانًا بلسانك، أو أن تشتمه في ورقة. الشتيمة هي نفس الشتيمة.. والاستهانة بالشخص ونفسيته، هي نفس الاستهانة. والدوافع النفسية في الحالين هي نفس الدوافع، ولكن قد تختلف المسئولية من حيث اختيار الأسلوب الكتابي بدلًا من الأسلوب الشفاهي.. وهل السبب هو أن الكتابة أسهل من المواجهة؟.. إذ يجرؤ إنسان أن يكتب ألفاظًا، لا يجرؤ أن يقولها مواجهة؟ وعلى أية الحالات، فإن خطايا اللسان تدل على خطايا أخري تقف معها وتسببها: خطايا داخل القلب. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
خطايا اللسان مصدرها القلب قد يغضب اللسان، ويتلفظ أثناء غضبه بألفاظ شديدة غير لائقة، ومع ذلك قد يعتذر عنه أصدقاؤه، بأنه على الرغم من أخطائه هذه، قلبه أبيض.. وهذا خطأ واضح، لأن القلب الأبيض ألفاظه بيضاء مثله، وقد قال الكتاب: "من فضلة القلب (أو من فيض القلب) يتكلم اللسان" (مت12: 34). "الإنسان الصالح، من كنز قلبه الصالح، يخرج الصالحات، والإنسان الشرير: من كنز قلبه الشرير، يخرج الشرور -لأن من الثمر، تعرف الشجرة" (مت12: 33-35). إذن الألفاظ الخاطئة، تدل على وجود نفس الأخطاء داخل القلب.. فخطية اللسان هنا خطية مزدوجة. الألفاظ القاسية تدل على قلب قاس والألفاظ المتكبرة تدل على قلب متكبر والألفاظ المستهترة تدل على قلب مستهتر، والألفاظ الحاقدة تدل على قلب حاقد وهكذا. فالذي يريد أن يصلح ألفاظه، عليه أن يصلح قلبه أولًا. وإلا فإنه سوف يقع في خطية أخري هي الرياء، إن كان يقول ألفاظًا بلسانه، هي عكس المشاعر التي في قلبه، أو إن كان يدعي مشاعر في قلبه، عكس الألفاظ التي يقولها لسانه. إذن خطايا اللسان، ليست هي مجرد خطايا لسان، بل هي في واقعها خطايا مركبة.. فخطية اللسان، غالبًا ما تكون الخطية الثانية أو الثالثة.. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
خطية ثانية وثالثة بسبب اللسان ولنضرب مثالًا بخطية الكذب: يندر أو يستحيل، أن تكون خطية الكذب هي خطية أولي: وإنما في غالبية الحالات أو فيها كلها، تكون خطية ابنه لحظية أم. فالكذب خطية يغطي بها الإنسان خطية أخري سابقة لها، وغالبًا ما ترتبط بالكذب خطية ثالثة هي الخوف. فنتيجة للخطية التي يراد إخفاؤها، متحدة بخطية الخوف، تتولد خطية الكذب، ويكون ترتيبها: الخطية الثالثة... وكيرًا ما يعترف الإنسان على الأب الكاهن، بأنه قد يكذب، دون أن يذكر الخطيئتين الأخريين. وخطية النرفزة كذلك، هي خطية ثالثة أو رابعة.. الألفاظ الشديدة أو القاسية، التي يقولها الإنسان في نرفزته، لم تصدر من فراغ إنما هي وقد ولدت من خطايا أخري، ربما منها محبة الذات وكرامتها أو مصلحتها، مع خطية عدم الاحتمال، وكذلك خطية القسوة وأيضًا عدم محبة أو احترام الشخص الذي وجهت إليه هذه الألفاظ.. من هذه الخطايا الأربع تولد خطية الألفاظ القاسية في النرفزة وتكون هي الخطية الخامسة في الترتيب. والذي يريد أن يعالج نفسه من الغضب ومن ألفاظه القاسية، علية أن يعالج قلبه أولًا من الخطايا الأربع السابقة. أما إذا أراد أن يبرر نفسه في غضبه وفي ألفاظة القاسية، فإن الكلام الذي يلفظه لسانه لتغطية نرفزته، إنما يشكل خطية سادسة في الترتيب، هي خطية تبرير الذات. فالمفروض في الإنسان الروحي أنه لا يبرر ذاته، إنما يدين ذاته. بنفس الوضع إن فحصنا جميع خطايا اللسان، سنجدها كلها خطايا مركبة يمكن بتحليلها أن تشمل كل منها عديدًا من الخطايا.. وبالإضافة إلى كل هذا، نضع: نتائج لا تملكها. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
نتائج لا تملكها بسبب اللسان 1 – النتيجة الأولي هي أن الكلمة التي خرجت من فمك، لا تستطيع أن تسترجعها. ربما تندم عليها، أو تحاول تبريرها أو الاعتذار عنها. ولكن الأمر الذي خرج عن إرادتك هو أن غيرك قد سمعها، بكل ما يحمل هذا السماع من تأثيرات. وهنا تختلف خطايا اللسان عن خطايا الفكر وخطايا القلب التي هي داخلك. أي التي هي قاصرة عليك وحدك، لم تنكشف أمام الآخرين. وهنا ننتقل إلى النتيجة الثانية، وهي: 2 – تأثير خطايا اللسان على سامعيها: لنفرض أنك حقدت على إنسان، وساءت مشاعرك من نحوه. مازال هذا الأمر داخل قلبك لم يصل إليه، ولم يسئ إلى العلاقة بينك وبينه، أو لم يزدها سوءًا.. أما إن انكشفت مشاعرك بألفاظ أساءت إليه، فكيف تعالج الأمر؟ لم يعد الأمر هنا قاصرًا على خطية داخلك إنما تطور إلى علاقة خارجية. وربما تحاول أن تصلح هذه العلاقة فلا تستطيع، أو أن تصالح من سمع إساءاتك، فيرفض ذلك، لأن ردود الفعل التي حدثت نتيجة لكلامك، مازال تأثيرها يعمل داخل قلبه، وربما لا يغفر بسهولة. فإن كان كلام الإساءة قد سمعه آخرون أو سمعه كثيرون، حينئذ تكون الدائرة قد اتسعت. فقد يتحمس له الذين سمعوا، وقد تتغير قلوبهم نحوك أو يردون بالمثل وربما يغفر لك من أسأت إليه، ولا يغفر لك من سمعوا إساءتك. وحتى الذي يغفر، بما يكون قد أخذ عنك فكرة، لا يستطيع بسهولة أن يغيرها.. وبقدر ما يكون كلامك جارحًا، فعلي هذا القدر يكون تأثيره أعمق. وقد يزداد التأثير أن كانت لهجة صوتك تماثل قسوة ألفاظك، وتشابهها ملامحك، وهكذا تكون الأمور قد ازدادت تعقيدًا.. كلما تكلمت، ضع أمامك أن ذاكرة الناس ربما لا تنسي. إنك قد تنفس عن مشاعرك الداخلية ولكنك للأسف تنسي مشاعر سامعك وتأثيراته، وفكرته التي يأخذها عنك وكذلك فكرة باقي السامعين، أو من يسمعون عما حدث بطريق غير مباشر... لذلك حسنًا قال الكتاب إنك" بكلامك تدان". 3 – من النتائج الأخرى لخطايا اللسان: إنك قد تتوب عن هذه الخطايا، بينما سامعك لا يتوب، ويطالبك الله بدمه.. كلامك ربما يغرس خطية معينة في ذهن أو قلب سامعك: قد تكون خطية شك، إن كان كلامك يحوي شكوكًا، وقد يتغير قلبه من جهة أشخاص آخرين نتيجة لتشهيرك بهم. وقد صدق ما قلته أنت من كذب، ويترك ذلك في نفسه أثرًا، وقد يردد ما رويته من حكايات ماجنة ونكات بذيئة، ويتأثر بها ومن يسمعه. ثم تتوب أنت عن خطايا لسانك، ولا يتوب من سمعك، فماذا يكون موقفك؟ وكيف تعالج خطايا من أخطأ بسب كلامك؟ أم تظل خطاياه محسوبة عليك، مستمرة ضدك حتى بعد توبتك. وربما تبقي من الخطايا التي لا تعرفها لأنك لم تدر عمق خطاياك باللسان وعمق نتائجها بالنسبة إلى غيرك.. ما أسهل إنك تقدم للناس مبدأ خاطئًا يسيرون عليه. ثم تصحح أنت هذا المبدأ داخلك، بينما يكون سامعوك قد جعلوه دستورًا لحياتهم.. حقًا إن خطايا اللسان ليست خطايا عقيمة. فما أكثر أولادها.. وفي خطورة خطايا اللسان، تأمل قول الرب في العظة على الجبل: : من قال لأخيه رقًا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستحقًا نار جهنم" (مت5: 22) وقد قال القديس اوغسطينوس: إن كلمة رقًا هي أقل عبارة تدل على عدم احترام. لهذا ينبغي الاحتراس جدًا من أخطاء اللسان، ومن قسوة الألفاظ، ومن عبارات التهكم والاستهزاء. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
الحرص في الكلام أول قاعدة هي الإبطاء في الكلام. لا تسرع إطلاقًا في كلامك، وبخاصة لو كنت في حالة انفعال أو غضب، فربما لا تستطيع أن تضبط نفسك، ولا أن تدقق في اختيار الألفاظ المناسبة فتكون عرضة للخطأ، وتذكر قول الرسول: " ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع1: 19، 20). وإن غضبت، نصيحتي لك أنك لا تسرع بالرد، لا تتكلم ولا تكذب... إنما هدئ نفسك أولًا، لأن انفعالك هو الذي سوف يجيب، وليس عقلك ولا روحك... والانفعال خطر عليك وعلى سامعك، وربما لا تستطيع معالجة نتائجه. وإن كنت رئيسًا لغيرك، أو من رجال الدين، أو أبًا جسديًا، فلا تعط نفسك الحق في الكلام بلا ضابط أو بلا مراعاة لمشاعر غيرك. لأن -الكبار- كثيرًا ما يعطون أنفسهم حقوقًا أزيد مما يجب، لا يراعون فيها إحساسات من هم أصغر منهم سنًا أو مركزًا، محتجين بأن لهم الحق في أن يوبخوا وأن يؤدبوا وأن يعلموا ناسين أن كل هذا ينبغي أن يكون بلياقة وحسب ترتيب (1كو14: 40) وناسين قول الكتاب: "لتصر كل أموركم بمحبة" (1كو16: 14) وناسين أن من ثمر الروح: " لطف" (غل5: 22). إنه أمر محزن، أن يفقد -الكبار- أبديتهم في توبيخ من هم أصغر منهم.. وأمر محزن أيضًا أن يظن -الكبار- أنه قد رفعت عنهم التكاليف.. فما عاد الله يطالبهم بالوداعة والتواضع والرقة وآداب الحديث، كأنهم ارتفعوا فوق مستوي الوصية.. لذلك لا تكن كبيرًا في عيني نفسك واسمر حريصًا في كلامك.. قديسون كثيرون وجدوا أن الصمت علاج نافع لأخطاء اللسان. وهوذا المرتل يقول: "ضع يا رب حافظًا لفمي، بابًا حصينًا لشفتي" (مز140) بل أن القديس العظيم الأنبا أرسانيوس معلم أولاد الملوك يقول عبارته المشهورة: [كثيرًا ما تكلمت فندمت. وأما على سكوتي، فما ندمت قط]. لذلك حاول أن تدرب نفسك على الصمت، وإن تكلمت، فليكن كلامك للضرورة، وباختصار وحسب حاجة الموقف، وبصوت هادئ رصين.. وتذكر أنه قيل عن السيد المسيح أنه كان: "لا يخاصم ولا يصيح: ولا يسمع أحد في الشوارع صوته".. ولا تكن شغوفًا بتعليم غيرك، أو بالحديث عن معلوماتك، أو بالتحدث في أي موضوع حتى لو كان خارج دائرة اختصاصك. واعلم أن الخطأ في التعليم -وبخاصة في مجال الدين- له أضرار أخطر بكثير من إساءة مشاعر أحد بالكلام. وهوذا الرسول يقول: "لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم. لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا" ( يع3: 1، 2). ونصيحة أخري، أنك في كلامك مع كل أحد، راع آداب الحديث. ولعلني أكلمك عنها في كتاب عن الصمت والكلام، إن أحبت نعمة الرب وعشنا. حاول أن تأخذ درسًا من كل أخطائك السابقة في الكلام. ولتكن كل كلمة من كلامك بميزان دقيق... وليكن كلامك للمنفعة. |
رد: كتاب الحروب الروحية - البابا شنوده الثالث
نوعان من القسوة إن قسوة القلب لها اتجاهان: قسوة نحو الله، وقسوة نحو الناس. القسوة نحو الله، هي الرفض المستمر لله وإغلاق القلب أمامه، وعدم الانجذاب نحو إحسانات الله ومحبته التي يظهرها لنا، ولا لقرعه على باب قلوبنا. أما القسوة نحو الناس، فمظهرها قسوة المعاملة: الكلمة القاسية، والنظرة القاسية، والعقوبة القاسية والتوبيخ القاسي، وقد تكون القسوة على الجسد في تعذيبه، أو قد تكون قسوة على النفس في إذلالها وسحقها والتشهير بها، والعنف في معاملتها. والإنسان الخاطئ يقع في الأمرين معًا. وعكس القسوة: الرحمة والحنو والعطف والإشفاق. وما أكثر كلام السيد المسيح عن الرحمة، حتى إنه قال: " طوبي للرحماء فإنهم يرحمون" (مت5: 7). وجعل الرحمة شرطًا لدخول الملكوت ( مت25: 35، 36) وقد حرم غني لعازر من الملكوت، لأنه لم يشفق على لعازر ( لو16: 21). |
الساعة الآن 10:25 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025